لم يعد أدب الفقد مساحة تلتئم بها جراح الغياب بقدر ما أصبح محاولة لإعادة فهم الذات بعد لحظة الانكسار، إذ تتقدم نصوص كثيرة من قلب التجربة الشخصية لتصوغ وعياً جديداً بالألم، لا بوصفه نهاية، بل نقطة تحول تفرض على صاحبها أن يبتكر لغته الخاصة، وفي هذا الاستطلاع، تفتح كاتبتان نافذة على تجربتهما مع الكتابة بعد الفقد، وكيف يمكن للحزن أن يتحول إلى مشروع سردي يلامس القرّاء بصدق مباشر.
وتؤكد الكاتبة عبير عبيد البح أن علاقتها بالكتابة لم تبدأ كمشروع أدبي، بل كحاجة داخلية ملحّة، إذ لم تكن تكتب قبل فقدان ابنها عبيد، وأن الورق كان المساحة الوحيدة التي استطاعت أن تفرغ فيها مشاعرها دون نية للنشر أو التفكير في إصدار كتاب، وبالنسبة لها كانت الكتابة شكلاً من أشكال البوح الصامت، ومساحةً للصدق المطلق بعيداً عن أي حسابات أدبية، وتوضح أن كتابها الأول «علّمني فقدك» لم يعتمد على شخصيات متخيلة، بل على وقائع وأسماء حقيقية عاشتها مع عائلتها، لذلك شعر القرّاء أنهم يشاركون التجربة لا يطالعون حكاية بعيدة، وقد خرج النص كما كُتب دون تحرير أو تعديل، إيماناً بأن صدق المشاعر هو ما يمنح الكتاب أثره الحقيقي.
وتقول إن لغتها السردية تغيّرت مع مرور الوقت، إذ انتقلت من كتابة الأم المفجوعة إلى وعي الكاتبة التي تبحث عن صوتها الخاص، محافظةً على لغة عربية بسيطة وقريبة من الناس، وترى أن الكتابة لم تُلغِ الحزن، لكنها منحت الألم شكلاً يمكن احتماله، إذ تحوّل الصمت الداخلي إلى تجربة إنسانية مشتركة يتقاسمها القرّاء، فالفقد بالنسبة لها سيظل جزءاً من الحياة، لكن النص جعله مفهوماً وقابلاً للتعبير.
في المقابل، يكشف أدب الفقد عن تحوّل أوسع في الكتابة المعاصرة، حيث لم تعد التجربة الشخصية تُقرأ كاعتراف فردي فقط، بل كمدخل لفهم معنى الاستمرار بعد الخسارة، فالنصوص التي تولد من لحظات الهشاشة تمنح القارئ لغة جديدة لرؤية ذاته، وتعيد تشكيل العلاقة بين الألم والإبداع، إذ لا يصبح الحزن مادةً للبكاء بقدر ما يتحول إلى أداة للتأمل في معنى الوجود ذاته.
ومن هذا المنظور تروي الكاتبة رباب الطاهري أن وفاة والدتها غيّرت مسار حياتها بالكامل، وأنها لم تخطط لأن تكون كاتبة، لكن الألم فتح باباً داخلياً لم تكن تعرفه، فبعد ثلاثة أشهر فقط من الرحيل بدأت كتابة «ثقل المسير يا أمي»، فيما كانت لا تزال في ذروة الصدمة، واستغرقت تسعة أشهر لإنهائه وكأنها تخوض رحلة علاج موازية لرحلة الفقد، وبالنسبة لها لم تكن الكتابة مشروعاً أدبياً بقدر ما كانت وسيلة نجاة ومساحة لإعادة ترتيب الروح، قبل أن تتحول مع الوقت إلى هوية ورسالة أوسع.
وتوضح أن الفقد حضر في أعمالها حضوراً مباشراً، إذ وثّقت مراحل الألم كافة، وسعت في الوقت ذاته إلى تخليد سيرة والدتها بوصفها عملاً من أعمال البر، حتى إنها ضمّنت الرواية أدعية لتبقى الذكرى حيّة في قلوب القرّاء، وفي أعمال لاحقة مثل «إنسية منسية» انعكس فهمها العميق للفقد في بناء الشخصيات، حيث كتبت الألم من الداخل لا من مسافة مراقبة.
وتؤكد أن لغتها السردية أصبحت أكثر هدوءاً وعمقاً بعد التجربة، وأن الإيقاع صار أبطأ وأكثر تأملاً، وكأن كل جملة تمر عبر القلب قبل أن تصل إلى الورق، ومع تطور تجربتها انتقلت من الواقعية المباشرة إلى بناء عوالم أكثر تركيباً، تمزج بين الواقعي والمتخيّل بثقة أكبر، وترى أن الكتابة لا تُغلق الجرح لكنها تمنحه معنى، وأن استمرارها في الكتابة هو شكل من أشكال الوفاء والدعاء، إذ أصبح كل نجاح امتداداً لاسم والدتها وذكراها.