في عالم متسارع تبرز الثقافة بوصفها أحد أكثر المسارات رسوخاً وعمقاً في بناء صورة الدول وتعزيز مكانتها عالمياً، فهي لم تعد نشاطاً تكميلياً، بل أصبحت خطاباً حضارياً متكاملاً يعكس الهوية ويجسد القيم، ويترجم الرؤية الوطنية إلى حضور مؤثر يتجاوز الحدود الجغرافية، وتتجلى تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة في توظيف الثقافة قوة ناعمة عبر مسارات مؤسسية ومعرفية وفنية، تسعى من خلالها إلى تقديم الموروث برؤية معاصرة تصنع المستقبل.
وأكدت فاطمة سيف بن حريز، مدير إدارة البحوث والدراسات في مركز حمدان بن محمد لإحياء التراث، أن رؤية المركز تنطلق من اعتبار الثقافة من أهم أدوات القوة الناعمة لدولة الإمارات العربية المتحدة ليس بوصفها عنصراً تعريفياً فقط، بل باعتبارها «منظومة قيم وهوية ومعرفة» تعبر عن روح المجتمع الإماراتي، ومن هذا المنطلق يعمل المركز على توثيق التراث وتقديمه للعالم بصيغة علمية رصينة تعكس أصالته وتُبرز في الوقت ذاته قدرة الإمارات على تحويل موروثها إلى خطاب حضاري معاصر.
وأوضحت أن النموذج الإماراتي كما يتجلى في عمل المركز يقوم على الفعل المؤسسي والاستدامة، حيث تترجم الثقافة إلى مشاريع بحثية وإصدارات موثقة ومبادرات مجتمعية ومنصات معرفية، ما يمنحها حضوراً عالمياً متزناً قائماً على المصداقية والتراكم المعرفي.
وبيّنت أن الترويج الثقافي غالباً ما يرتبط بحدث أو مناسبة زمنية محددة، وهو ما يعرف بالثقافة، لكنه لا يرسخها ما لم يستند إلى محتوى معرفي عميق وسرد ثقافي متماسك، وأما التأثير الثقافي المستدام فهو نتاج عمل مؤسسي متواصل يقوم على البحث والتوثيق والإنتاج المعرفي، ثم إعادة تقديم هذا المحتوى عبر قنوات متعددة بما يجعل الثقافة جزءاً من الوعي العام لا مجرد رسالة عابرة.
من جانبه، أوضح الفنان والخطاط د. نصار منصور أن الثقافة بوصفها قوة ناعمة تتجلى بوضوح من خلال فن الخط العربي، بوصفه أحد أهم مكونات التراث العربي والإسلامي، فعندما تقدم دولة الإمارات الأعمال الفنية الخطية على المباني العامة أو في المعارض الدولية فإنها تُظهر عمق حضارتها وقيمها الجمالية والفكرية وانتماءها لهذا الفن العربي الأصيل.
وأضاف أن الفعاليات الفنية، مثل المعارض المتخصصة التي ينظمها الفنانون الإماراتيون داخل الدولة وخارجها، تسهم في تعزيز التبادل الثقافي، كما أن تنظيم ورش تعليم الخط العربي للمهتمين من غير العرب يخلق تجربة تفاعلية مباشرة تحول الثقافة من مجرد رؤية إلى تجربة شخصية قائمة على المشاركة، ويرى أن هذا النوع من التفاعل يولد اهتماماً وفهماً أعمق للثقافة الإماراتية باعتبارها جزءاً من الثقافة العربية والإسلامية.
وأشار إلى أهمية الجمع بين الأساليب التقليدية للخط العربي والفن المعاصر، مثل توظيف الخط في التصاميم المعمارية بما يجعل المشاركة الثقافية الإماراتية مبتكرة وملهمة عالمياً، وأكد أن عرض أعمال الخط العربي عبر منصات التواصل الاجتماعي أو في أفلام وثائقية يوسع نطاق حضوره عالمياً ويعزز حضور الإمارات ويرسخ مكانتها الفنية والثقافية على المستوى الدولي.
وأوضح أن الترويج يتمثل في إقامة المعارض الفنية أو نشر صور اللوحات الخطية عبر الإنترنت لجذب الانتباه الدولي، وهو جانب مرئي وإعلاني يركز على إبراز الهوية والانطباع الأول، أما التأثير الحقيقي فيتحقق من خلال تعليم الخط العربي للطلاب والمهتمين، وإلهامهم لاستخدام عناصره في أعمالهم الفنية، إضافة إلى إنتاج دراسات وبحوث أكاديمية حول دور الإمارات في رعاية هذا الفن، ما يترك أثراً طويل الأمد في فهم وتقدير الثقافة الإماراتية، ويتجاوز حدود العرض إلى عمق الفهم والتفاعل والإبداع.