حيرة النص الأدبي بين المبدع العلني و«الكاتب الظل»

أسماء الزرعوني
أسماء الزرعوني
ناصر الجنيبي
ناصر الجنيبي

الكتابة ترجمة لأحاسيس النفس، ورسم لملامح الخواطر بألوان الكلمات، تتنوع بتباين مشاعر البشر، فيحمل كل نص بصمة تميّز صاحبها، وعلامة تشير إلى من أبدع الجُمل وصاغ العبارات.

هكذا تبدو القضية في صورتها المعتادة، لكنّ ظاهرة «الكاتب الظل» قد تتسبب في تغيير كثير من تصوراتنا عن حقيقة الكتابة، وذلك حينما تكون الفكرة نابعة من ضمير إنسان، والتعبير عنها مسؤولية إنسان آخر، عندها يطل السؤال الأهم: من منهما يملك النص؟

وفي سياق مناقشة هذه القضية، أعربت الأديبة الإماراتية أسماء الزرعوني، في تصريح لـ«البيان»، عن رفضها هذه الظاهرة التي رأت أنها انتشرت بين الأقلام الجديدة على الساحة الثقافية قبل سنتين أو أكثر، مشيرة إلى أن بعضاً من الروايات التي أنتجتها أقلام كتّاب ظل وصلت إليها خلال الآونة الأخيرة، كما أن بعضها أيضاً فاز بجوائز.

وقالت: «عندما وصلت إليّ رواية من كاتب جديد وبدأت أقرأ أول خمس صفحات فهمت الموضوع، وأدركت أن هذا الشخص لم يكتب هذه الرواية التي كانت من بيئة عربية، وكاتبتها امرأة، في حين يتحدث محتوى الرواية عن رجل»، مؤكدة أن الكاتب ابن بيئته، وأن هذا ما جعلها تتيقن أن هذه الرواية جاهزة، وأنه تمت عنونتها بغير اسم كاتبها الأصلي.

وأضافت: «تأسفت فعلاً لما وصلنا إليه في هذا الوقت، ولأن الذكاء الاصطناعي أصبح كاتب الظل للكثيرين، وقد كنت قبل أيام أحكّم في مسابقة قصة قصيرة حينما اكتشفت أن إحدى القصص مكتوبة عن طريق الذكاء الاصطناعي»، واصفة ذلك بأنه «كارثة» في هذا الزمن الذي أصبح كل شيء فيه بمتناول اليد.

ورأت أن الكاتب الحقيقي لا يمكن أن يلجأ إلى هذا التصرف لأي سبب كان؛ ذلك لأن شراء أحاسيس الآخرين أمر غير ممكن وغير مقبول، لافتة إلى أن الناقد الأدبي، والكاتب الذي مارس عملية الكتابة بصدق، والمطلع على الساحة الثقافية، كلهم يستطيعون بكل سهولة اكتشاف حقيقة العمل الأدبي، إن كان كاتبه اعتمد على نفسه أم استعان بكاتب ظل.

من جانبه، أوضح الكاتب الإماراتي الدكتور ناصر القبان الجنيبي، أن ظاهرة «الكاتب الظل» أو «الكاتب الشبح»، التي باتت اليوم أكثر حضوراً في عالم النشر، وإن كان المصطلح الذي تحمله يبدو حديثاً، فإن جذورها ضاربة في التاريخ.

مؤكداً أن الكثير من القادة والأمراء والوجهاء استعانوا بمن يصوغ رسائلهم وخطبهم، تماماً كما استعان الأدباء بمن يدوّن أشعارهم أو ينسق مؤلفاتهم. وقال الجنيبي:

«الجدل حول هذه الظاهرة مفهوم، فثمة من يراها نوعاً من التزييف، وثمة من يعتبرها وسيلة عملية لتوصيل الأفكار التي قد لا يجيد أصحابها التعبير عنها كتابةً.

هنا يبرز البعد الإنساني: ليس كل من يحمل فكرة عميقة أو تجربة ثرية قادراً على التعبير عنها بلغة مؤثرة»، لافتاً إلى أن كثيراً من المشاهير والمديرين يفتقرون إلى الوقت الكافي للكتابة بأنفسهم، فيلجؤون إلى كاتب خفي يحوّل أفكارهم إلى نص حي متوازن.

وبيّن أن الحكم النقدي على هذه الأعمال يبقى هو الأهم، وأن النص الذي جاء نتيجة تعاون بين عقل منتج للفكرة وعقل صاغها بلغة لا يجوز أن يُقرأ بوصفه عملاً فردياً خالصاً، موضحاً أن الإنصاف يقتضي الاعتراف بالجهدين معاً:

الأول قدم الجوهر، والثاني أهدى العمل شكله النهائي. وأضاف: «بذلك يمكن النظر إلى الكاتب الظل لا كخصم للحقيقة، بل كجسر بين الفكرة والجمهور، بشرط أن يظل دوره في حدود الصياغة والتعبير، لا في صناعة صوت وهمي أو محتوى منقطع الجذور».

وأشار إلى أن الكتابة ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل أداة للخلود والتأثير، سواء حملها صاحب الفكرة بنفسه أو ساعده كاتب آخر في إيصالها.

ورأى أن الكتابة في جوهرها فعل كشف، لا مجرد زخرفة للكلمات، وأنه حين يعمل العقل في العلن والقلم في الظل، يبقى السؤال الأعمق: «من يملك النص حقاً، الفكرة أم اللغة؟»، مبيناً أن الجواب ربما يكون: إن النص لا ينتمي إلا إلى قارئ، لأنه وحده يمنحه الحياة، وهو ما يمكن تلخيصه في قول الشاعر: «ففكرٌ بلا صوغٍ يظلُّ مُبعثراً، وصوغ بلا فكرٍ كزهرٍ بلا ماءٍ».