هذه ليست فرضية من رواية خيال علمي، بل هي الساحة التي يفتتح فيها المفكر المغربي سعيد ناشيد أحدث أعماله الفكرية، «العقل والحنان: محاكمة فلسفية للحب».
وفي هذا العمل لا يكتفي ناشيد بتحليل الحب بوصفه تجربة فردية، بل يعيد صياغته كقضية فلسفية تُعرض على منصة القضاء الرمزي، حيث يتحول الكتاب إلى محاكمة للعصر الرقمي ذاته، عصر بات يرى في العاطفة خللاً ينبغي ضبطه لا طاقة ينبغي فهمها!
ويذهب ناشيد إلى أبعد من ذلك حين يقرأ التحولات التقنية المعاصرة بوصفها محاولة لإخضاع العاطفة لمنطق القياس والسيطرة، بما يهدد طبيعتها الهشة وغير القابلة للاختزال، طارحاً سؤالاً ملحاً: لماذا حب الروبوتات ليس حباً؟ ثم يفكك الإجابة عبر ثلاث أطروحات، فالحب بلا مخاطرة ليس حباً، والحب الذي لا يعرف الغياب يفقد شرطه الإنساني الأعمق، لأن التجربة العاطفية تتغذى من الهشاشة ومن احتمال الفقد بقدر ما تتغذى من الحضور.
شهادة الفلاسفة
ولا يبدو هذا الاشتغال على الحب معزولاً عن مشروع ناشيد الفكري الأوسع، فالقارئ لكتبه السابقة يلحظ سعياً متكرراً إلى تثبيت فكرة فلسفية مركزية يعيد مقاربتها من زوايا مختلفة.
حيث يتحول كل كتاب إلى محطة في مسار واحد يبحث عن مصالحة ممكنة بين العقل والهشاشة الإنسانية، وهو ما يجعل «العقل والحنان» امتداداً عضوياً لأسئلته القديمة، ومع احتدام النقاش بين الادعاء والدفاع، تتقدم الفلسفة نفسها لتقدم مرافعتها الخاصة، وهي جوهر أطروحة الكتاب.
ففي فصل «مرافعات الفلسفة» يطرح ناشيد رؤيته للحب الناضج الذي لا يلغي العقل بل يستند إليه، وهنا يتحول الحب من حالة وجدانية عابرة إلى فضيلة تُكتسب، ومن عاطفة عفوية إلى ممارسة يومية تتطلب يقظة ومسؤولية، وهو ما يضعه في مواجهة مباشرة مع ثقافة الإشباع الفوري التي تعيد تعريف العلاقات بمنطق الاستهلاك السريع.
حيث يرى ناشيد أن المعنى لا يُمنح لنا بل يُصنع عبر قدرتنا على الاعتناء بالعالم، وأن الإنسان رغم هشاشته قد يكون مركز المسؤولية لا مركز الكون، وهي رؤية تقترح حضارة تقاس بقدرتها على الإصغاء لا على السيطرة، وعلى الرعاية لا على الهيمنة.
«أيها القساة أعرف ملامحكم.. فك مشدود وكتفان محمولتان كدرع لا ينزع، نوم يتقطع على فراش بارد، وقلوب تغل في صمت...»، وهنا لا يهاجم القسوة بوصفها سلوكاً فردياً فقط، بل يكشفها كعرض حضاري لزمن يخلط بين الصرامة والقوة، وبين الأداء والإنسانية.
وليس الكتاب دفاعاً عن العاطفة بقدر ما هو اختبار لصلابة إنسانيتنا في زمن يزداد اقتناعاً بأن البرود فضيلة، فبين صفحات هذه المحاكمة، لا يعود الحب موضوعاً للنقاش بقدر ما يتحول إلى معيار خفي نقيس به مقدار ما تبقّى فينا من قدرة على الإصغاء، وعلى احتمال الآخر.
وعلى العيش دون ضمانات، وهنا تتجاوز المرافعات حدودها النظرية لتصبح مرآة لوعينا المعاصر، ومرآة تكشف أن السؤال الحقيقي لم يعد كيف نحب، بل كيف نحافظ على إنسانيتنا من أن تتحول إلى فكرة مؤجلة في عالم يتقن كل شيء، إلا أن يكون إنسانياً..!

