أصبحت الثقافة في دبي محوراً أساسياً في النقاش حول هوية المدينة واقتصادها الإبداعي، ويبرز نجاحها في بناء هذا المشهد الثقافي العالمي، بوصفه نتاج رؤية طويلة المدى، ترى أن الثقافة جزء أصيل من مشروع حضاري يسعى إلى التوازن بين الحداثة والجذور، وأن الأجيال المقبلة ستواصل حمل شعلة الثقافة والإبداع.
أوضح فهد المعمري، الباحث في التراث، أن دبي خاضت تجربة ثقافية ثرية، يمكن وصفها بأنها مختبر حي للثقافة المعاصرة، ولم تعد الثقافة في دبي مجرد نشاط رمزي، أو ترف فكري يرافق النمو الاقتصادي، بل تحولت خلال العقدين الأخيرين إلى عنصر بنيوي في مشروع المدينة الحضاري، وإلى محرك فاعل ضمن منظومة الاقتصاد الإبداعي، ورافد من روافد تشكيل الوعي والهوية.
وأشار إلى انتقال الثقافة من الهامش إلى المتن، فالمشهد لم يعد قائماً على الفعاليات الموسمية وحدها، بل بات منظومة إنتاج مستدامة، تتقاطع فيها الفنون والنشر والمتاحف والصناعات الإبداعية، مع ريادة الأعمال والتقنيات الحديثة، وبذلك أعادت دبي تعريف الثقافة بوصفها قيمة اقتصادية ومعرفية في آن واحد، فالمناطق الإبداعية، والمهرجانات الثقافية الدولية، ودعم الصناعات الثقافية مثل النشر، والفنون البصرية والتصميم والتراث الحي، إلى غير ذلك، كلها أسهمت في تحويل الثقافة إلى قطاع منتج، يولد فرص عمل، ويستقطب المواهب، ويعزز صورة المدينة عالمياً.
وأضاف: «وفي دبي يمكن ملاحظة جهود واضحة لربط التعليم بالإبداع والابتكار، من خلال إدماج الفنون والتفكير النقدي والمهارات الإبداعية لدى الطلبة، من خلال تشجيعهم على زيارة المتاحف والمكتبات والفعاليات الثقافية.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إدخال الثقافة بوصفها نشاطاً تعليمياً، بل في ترسيخها كمسار تفكير وهوية، والتعليم المواكب للتحول الثقافي، هو ذلك الذي يجعل الطالب قادراً على فهم تراثه والانفتاح على الآخر، وتحليل الخطاب الثقافي، لا مجرد استهلاكه، ويمكن القول إن دبي قطعت شوطاً مهماً في هذا الاتجاه».
وأشار إلى أن دبي، بوصفها مدينة عالمية، توازن بين الانفتاح الثقافي الواسع وحماية الهوية المحلية.
وتابع: «يتجلى هذا التوازن في دعم التراث الإماراتي المادي وغير المادي، وإبرازه في المتاحف والفعاليات والمناهج، بالتوازي مع استضافة ثقافات العالم، وإتاحة المجال للتلاقح الحضاري».
وأكد جمعة بن ثالث، الباحث في التراث، أنّ دبي تقيم العديد من الفعاليات الثقافية الهامة، مشيراً إلى ضرورة وجود المزيد من التناغم بين الثقافة ومنظومة التعليم، بما يصبّ في تعريف الجيل الناشئ بالعادات والتقاليد، وتوطيد علاقته بالمجتمع، وتعزيز الوعي الثقافي.
وقال إبراهيم الهاشمي، الباحث في التراث، إن ما تشهده الإمارات عموماً، ودبي على وجه الخصوص، من برامج وفعاليات ثقافية، لم يعد مجرد حراك عابر، بل تحول إلى ظاهرة عربية وعالمية ذات حضور لافت.
وأكد أن هذه الأنشطة تقدم ضمن رؤية حضارية لها أبعادها المعرفية، أسهمت في إضفاء عمق أشمل على العملية الثقافية، وجعلتها فاعلة في رفد الاقتصاد، لا بوصفها أنشطة ثقافية فقط، بل وتسهم في الدخل القومي والترويج الإعلامي واستقطاب السياح، وهو عمل ممنهج يشهد له الحضور المميز للجمهور.
أما في ما يتعلق بالتوازن بين الانفتاح الثقافي وحماية الهوية المحلية.
وأشار إلى أن ما نشهده من فعاليات وأنشطة ثقافية في دبي، تكرس الهوية الوطنية، وتعرف بها المقيمين والزائرين.
من جهته، أكد الكاتب محمد الحبسي أن الثقافة في دبي أصبحت ركيزة أساسية في الاقتصاد الإبداعي، ولم تعد نشاطاً مكملاً، بعدما تحولت من مجال داعم إلى قطاع منتج للقيمة والمعرفة وفرص العمل.
وأشار إلى ارتباط الثقافة اليوم بالصناعات الإبداعية والسياحة الثقافية وريادة الأعمال الفنية، ما يجعلها مساهماً مباشراً في التنمية الاقتصادية المستدامة.
وفي ما يتعلق بالتوازن بين الانفتاح الثقافي وحماية الهوية، قال إن دبي نجحت في تحقيق هذا التوازن، عبر سياسة ثقافية واعية، تقوم على الانفتاح المدروس، مع ترسيخ القيم والتراث واللغة والذاكرة الوطنية، ما يفتح المجال للتفاعل مع ثقافات العالم، وفي الوقت نفسه يدعم التراث المحلي، ويمكّن المبدعين الإماراتيين، ويضمن بقاء الهوية حاضرة ومتجددة، في إطار عالمي متنوع.