المقال الثقافي في الإمارات.. أدوار حيوية في التنمية المجتمعية

يلعب المقال الثقافي في دولة الإمارات أدواراً حيوية فاعلة يعزز معها أطر التنمية المجتمعية ويثري الحراك الثقافي والفكري، ما يجعله يتجاوز آفاق كونه مجرد نص أو رأي ليصبح بذا أداة فاعلة في صون الهوية وتنشيط مساقات الإبداع وتمكين الشباب.

ذلك في عالم تتقاطع فيه الأصالة مع الحداثة، إذ إنه يفتح مساحات للحوار ويسلط الضوء على التجارب والقصص التي تشكل وعينا الاجتماعي ويحول القيم الثقافية إلى فعل ملموس ورافعة إبداعية.

«البيان» استطلعت آراء عدد من الكتاب في الخصوص، مضيئة على أهميه مضامين المقال الثقافي في حياة مجتمع الدولة، وفي استقطاب الشباب وجعلهم حاضرين ومؤثرين في المشهد الإبداعي.

علي  الهاملي
علي الهاملي

أكد علي عبيد الهاملي، نائب رئيس مجلس إدارة ندوة الثقافة والعلوم بدبي، أن فن المقال، منذ أخذ مكانه في الساحة الثقافية الإماراتية، وهو يعمل على تعزيز القيمة المجتمعية والحراك الثقافي، ويسهم في تمكين الشباب، من خلال أدوار متكاملة ترسخ دوره أداة وعي وبناء وقيادة رأي.

وقال: «يمكن فهم هذا الدور عندما ننظر إلى ما يقوم به المقال في مجال ترسيخ الهوية والذاكرة الجمعية، مستنداً إلى البيئة المحلية، ومعيداً سرد التحولات الاجتماعية والاقتصادية بلغة قريبة من الناس، ليحفظ بذا الذاكرة الجمعية، ويقوي أسس الانتماء إلى الوطن».

وأضاف: «كما يعمل المقال على بناء الوعي والمسؤولية، وعندما يتناول قضايا أساسية في المجتمع، مثل التعليم، والأسرة، والعمل، والقيم، والتحولات الرقمية، فهو لا يكتفي بوصف الظاهرة، بل يطرح أسئلة أخلاقية ومعرفية تحفز القارئ على التفكير والمشاركة، ما يعزز الشعور بالمسؤولية الفردية تجاه المجتمع».

وتابع: «يسهم المقال الإماراتي في تحريك المشهد الثقافي، ويقوم بتوسيع دائرة النقاش العام، فاتحاً ملفات الثقافة، والأدب، والفنون، والإعلام، والهوية، وواضعاً إياها في سياق معاصر، الأمر الذي يخلق حراكاً فكرياً متجدداً، ويمنع الركود الثقافي».

وأوضح الهاملي أن المقال الإماراتي يسهم في دعم الإبداع المحلي عبر تسليط الضوء على المبادرات، والكتب، والمعارض، والطاقات الجديدة، ويعمل على تجديد اللغة والأسلوب فيقرّب الثقافة من القارئ العادي، ويُعيد الاعتبار للكتابة بوصفها فناً حيّاً ومتفاعلاً.

عائشة سلطان
عائشة سلطان

من جانبها، قالت الكاتبة عائشة سلطان، إنه لا يمكن النظر إلى المقال الثقافي بوصفه مجرد نص صحفي عابر، بل هو أداة فاعلة ذات وظيفة ثقافية وتربوية واجتماعية.

فالمقال، في هذا السياق، لا يكتفي بنقل المعلومة أو إبداء الرأي بل يشارك في تشكيل الوعي وتعزيز القيم وتنشيط الحراك الثقافي وتمكين فئات المجتمع وفي مقدمتها الشباب.

وأشارت إلى أن المقال الثقافي يكرس مجموعة نقاط ومرتكزات رئيسة، وأولها القيم والهوية في ظل واقع الانفتاح الفاعل والمثمر، فالدولة تعمل ضمن رؤيتها الثقافية على ترسيخ مفهوم الهوية المنفتحة، وهو مفهوم يبدو للوهلة الأولى متناقضاً، لكنه في جوهره يقوم على توازن دقيق بين الأصالة والحداثة، مضيفة:

«وهنا تتجلى مسؤولية كاتب المقال وقدرته على الجمع بين قيم الهوية المرتبطة بالتراث، والذاكرة المحلية، والمكان، والبحر، والعائلة، والدين، والأخلاق، وبين واقع الانفتاح على ثقافات متعددة ومختلفة».

وبينت أن ذكاء المقال الثقافي يكمن في كيفية مخاطبة هذا التنوع، واستيعابه بوعي والاستفادة مما يحمله من قيم إيجابية مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية وعدم الذوبان أو القبول غير المشروط بكل ما يأتينا من الخارج.

واستطردت: «ويحول المقال القيم من خطاب نظري إلى تجربة حية، وهنا، ولكي يكون المقال مؤثراً، لا بد أن يتحول من خطاب إنشائي أو وعظي إلى سرد حي وقريب من الناس.

فالقيم مثل التسامح، والانفتاح، وقبول الآخر، لا تُغرس عبر الأوامر والنواهي، بل من خلال الحكاية، والتجربة الشخصية، والمواقف اليومية، والقصص التي تعكس التحولات الاجتماعية بوعي وتحليل. والناس تميل إلى السرد، وتنجذب إلى التجارب الإنسانية، وتثق بالكاتب الذي يشاركهم تساؤلاته لا الذي يفرض عليهم خلاصاته.

من هنا، يصبح المقال مساحة للتأمل والتحليل، لا منصة للخطابة أو الإملاء». وأوضحت أن تسليط الضوء على قصص النجاح، والمبادرات الشبابية، والتجارب الملهمة في الأدب، والمسرح، والفنون، والإدارة، والعلوم، والفضاء، يعزز الثقة ويؤكد أن الفرص متاحة للجميع، وأن النجاح ليس حكراً على فئة معينة.

ولفتت إلى أن أهم أدوار المقال الثقافي تتجسد في أنه يسهم في تنمية الوعي النقدي، ويشجع على قراءة الواقع وتحليله وتفكيكه، لا الاكتفاء بوصفه أو التعامل معه بسطحية. وهذا يتطلب لغة هادئة، وتحليلاً واعياً، ومعرفة قائمة على القراءة والاطلاع.

محرك للوعي

شيماء المرزوقي
شيماء المرزوقي

وفي الحديث عن أهم أدوار ووظائف المقال قالت شيماء المرزوقي، إن المقال الثقافي الغني هو بمثابة محرك للوعي المجتمعي، ومنصة للفهم الثقافي. وقالت: «أعتقد أن المقال الثقافي في الإمارات لم يعد مجرد مساحة لتحليل ومناقشة الأحداث، بل يتولى جملة مهام أكبر وأوسع على صعيد زيادة معرفة الناس وتوجيه الطاقات الوطنية».

وتابعت: «فالمؤلفون والكتاب والمثقفون الإماراتيون ومن خلال منجزاتهم الإبداعية، ومنها الكتابة المقالية، قاموا بتناول كثير من القضايا المهمة والحيوية، مثل الموروث الشعبي والتطلعات المستقبلية، وترسيخ الهوية الوطنية، وإبراز القيم الأصيلة مثل التسامح، والتماسك الأسري، وغيرها».

وأضافت: «أيضاً لا أنسى أن المقال الإماراتي، يسهم في تعزيز النقاش الفكري، وفتح مجالات واسعة للحوار حول القضايا الثقافية، مثل: الترجمة، النقد الأدبي، ودور الفنون، وغيرها من القضايا، التي تعزز تشجيع الحراك الثقافي ويجعل القارئ شريكاً في المشهد الإبداعي».

وأوضحت أنها تستطيع تشبيه المقال الإماراتي، الثقافي وسواه، بأنه مرآة للمجتمع، تسلط الضوء على قضايا مهمة وحيوية وملحة، مثل الاستدامة، والتحول الرقمي، والرفاه النفسي، والتربية في عصر التقنيات، والمعرفة والعلم في ظل الذكاء الاصطناعي، وغيرها، وتناول مثل هذه المواضيع والقضايا، يرفع مستوى الوعي العام.

وختمت: «إن المقال واحد من أهم أدوات ووسائل تمكين ودمج الشباب في مسيرة البناء الوطني، والتوعية بمتطلبات التنمية، والاهتمام بقضايا الوطن، وتطلعات المواطنين، فالصحف والمجلات الإماراتية، تخصص مساحات واسعة للأقلام الشابة، وهذا يمنحها الثقة لمشاركة أفكارها ورؤيتها لمستقبل بلادنا». وأردفت: «كُتّاب المقال تناولوا المشاريع والمبادرات والخطط الوطنية، وشرحوها بلغة قريبة من الشباب، وبمهارة ومباشرة، وهذا يساعدهم (الشباب) على فهم أدوارهم ومسؤولياتهم».