ينسب إلى أديب فرنسا فولتير، أنه رداً على سؤال: من سيحكمون العالم؟ قال: «الذين يقرؤون أكثر».في اختزال الرد الذي يعود إلى القرن الثامن عشر، ما يكشف عن رؤية الأديب الثاقبة، التي تتحقق أمام عيوننا اليوم، حيث يحكم العلم والمعرفة البشرية العالم، فالدول الأكثر تقدماً هي الأكثر اعتناقاً لمبادئ التفكير العلمي.
على هذا الأساس يأتي معرض الشارقة الدولي للكتاب، دعوة إلى إحياء الثقافة، واستعادة مكانة القراءة في نفوس الناس، سعياً إلى الارتقاء بالإنسان العربي، وتوخياً لتسليحه بسلاح العصر؛ المعرفة، ورفعاً لشعار: «يحيا الكتاب وتحيا الثقافة».
المشاركون في المعرض وحضوره من الشخصيات البارزة على الساحة الثقافية المحلية والعربية أكدوا ذلك في تصريحات بشأن انطباعاتهم لفعاليات المعرض الذي بلغ أشده إذ تجاوز الأربعين وصار ثالث أهم معرض كتاب على وجه الأرض.
يقول الدكتور محمد حمدان بن جرش السويدي، المستشار الثقافي لجمعية الإمارات للإبداع: «إن معرض الشارقة غدا واحداً من أهم الفعاليات الثقافية عالمياً، وأصبح بدعم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، قبلة للمعنيين بالشأن الثقافي العربي، وهذا لم يتأت من فراغ بالطبع».
ويضيف «المعرض ليس دكاناً لعرض الكتب، لكنه منصة حيوية لاحتكاك الأفكار والثقافات، وتبادل المعرفة بين الكُتّاب، والقراء، والمثقفين والمبدعين من مختلف التخصصات والثقافات»، مؤكداً أنه في ظل التحديات التي تفرضها التكنولوجيا المتسارعة، والصراعات السياسية، والتغيرات الاجتماعية، تزداد الحاجة إلى الكتاب كمصدر أساسي للتعلم والتفكير النقدي.
ويعكس المعرض - والكلام لا يزال للسويدي - التنوع الثقافي والفكري من خلال تسليط الضوء على الثقافة العربية والعالمية، ويوفر ساحة حوارية لعدد من الاتجاهات الفكرية والفنية، كما يعد بالتوازي فرصة مثالية للتعرف على أحدث الإصدارات في مجالات الأدب، والعلوم الاجتماعية، والفكر النقدي والإبداعي، والفنون.
ويقول: لا يقتصر الحراك الثقافي على الكتب، بل يشمل المحاضرات، وورش العمل، والندوات التي تساهم في تبادل الرؤى حول القضايا الراهنة، ومن هنا، يمكن القول إن المعرض ليس مجرد حدث ثقافي، بل هو ضرورة حيوية لبناء مجتمعات أكثر وعياً وإبداعاً.
من جهته يؤكد راشد الكوس، المدير التنفيذي لجمعية الناشرين الإماراتيين أن المعرض، يمثل منبراً ثقافياً رائداً يعكس التزام إمارة الشارقة ودولة الإمارات بدعم المعرفة وبناء مجتمع قارئ يتخذ من الثقافة عماداً للتطور والتقدم الحضاري.
ويقول: «باعتباري إماراتياً قبل أن أكون معنياً بالثقافة، فإنني أشعر بالفخر لأن إمارة الشارقة تحتضن اليوم أكبر وأهم معرض كتاب عربي»، موضحاً أن أهمية المعرض تتجلى في كونه يرسخ الدور الثقافي الريادي لدولة الإمارات، ويؤسس لأهمية أن تكون القراءة جزءاً من الحياة اليومية للإنسان، كما من المهم هنا الإشادة بالثراء المعرفي والتنوع الأيديولوجي في عناوين الكتب المعروضة، وهو الأمر الذي يعني أن آفاق حرية الرأي في الشارقة بغير حدود.
ويمضي قائلاً: المعرض يتيح للناشرين الإماراتيين ترويج أعمالهم والتواصل مع القراء، وعقد شراكات مع الناشرين الدوليين لتبادل حقوق النشر والترجمة، ما يلعب دوراً فاعلاً في تعزيز حضورهم على الساحة الدولية، وتنشيط سوق الكتاب المحلي.
ويجتمع تحت مظلة المعرض ناشرون ومؤلفون ونقاد ومثقفون وخبراء في مجال النشر حول العالم؛ للتفاعل وفتح آفاق التفكير، إلى جانب توفيره مساحة لتشجيع المواهب الأدبية الجديدة.
وترى مروة العقروبي المديرة التنفيذية لبيت الحكمة في الشارقة أن معرض الشارقة يعد اليوم ملمحاً حضارياً يعبر عن الهوية الثقافية لمدينة الشارقة، التي تؤدي دوراً تنويرياً مشهوداً في محيطها الخليجي والعربي.
وتقول: «المعرض جزء من طفولتنا، يرتبط بتفاصيل الذاكرة، تستدعي إقامته سنوياً أجمل المحطات من أعمارنا.. واليوم إذ يصل إلى محطته الثالثة والأربعين، فإذا به ثالث أهم معرض كتاب في العالم، لا يجب أن ننسى أنه كان بين التاريخين مجهود شاق لم ينقطع أبداً».
وتضيف: «أعتقد أن حديثي عن المعرض لا يستقيم إلا بالاتكاء على تصريحات صاحب السمو حاكم الشارقة، بأن المعرض يأتي في إطار حرص الإمارة على تأدية دورها وارتقاء مكانتها كبؤرة إشعاع حضاري وثقافي في أمتها، وفي ظني أن هذه العبارة تكاد تكون جامعة مانعة في وصف وتقييم هذا الحدث الذي نرفع رؤوسنا به فخراً».
ويرى إياد حسين، مدير دار «الفرقد» السورية للنشر أن الإقبال الجماهيري على المعرض يتزايد عاماً بعد عام، وهذا مؤشر على أن قاطني الشارقة قد أصابتهم «عدوى القراءة»، التي تنتشر في هوائها، وهي حسب تعبيره عدوى نتمنى أن تصيب كل المدن العربية.
ويصف ناشرون المعرض بأنه نافذة مفتوحة للناشرين الإماراتيين لعرض نتاجهم المعرفي، فضلاً عن الالتقاء بممثلي دور النشر الأجنبية، بما يمكن من عقد اتفاقات تتصل بالترجمة والتوزيع مثلاً، وهذا يجعل حضور المعرض مجدياً وإثرائياً ليس فقط على صعيد نشر الثقافة وإنما أيضاً لدعم صناعتها على المستوى المحلي والعربي إجمالاً.
مؤكدين أن أحد أهم المميزات لمعرض الشارقة أن العناوين متعددة وفيها ثراء فكري واسع، ففيما نجد مؤلفات عن مبادئ الاقتصاد في الليبرالية، سنجد إلى جوارها كتابات تدعو إلى الاشتراكية، وهذا معناه ببساطة أن الشارقة تفتح شبابيك الفكر أمام كل الآراء، ولا مكان فيها لمقص الرقيب، فالفكرة أمام الفكرة، والإنسان وحده هو المنوط باتخاذ القرار وفق ما تشكل في يقينه من آراء واتجاهات.


