حين يتجاوز الفن حدود اللوحة ليقترب من الإنسان، تتسع مساحته من الجمال إلى العطاء، ومن المتعة البصرية إلى ملامسة الوجدان وتخفيف وطأة الحياة. فالفن، بما يملكه من لغة تتخطى الكلمات والحدود، ظل عبر تجارب مختلفة شاهداً على الحس الإنساني، ووسيلة للتعبير عن القضايا المختلفة، وأداة لمد جسور التواصل بين البشر.
وفي اليوم العالمي للعمل الإنساني، يستعيد الفنانون والمشتغلون في الحقل التشكيلي هذه العلاقة التي تجعل من الإبداع مساحة للإنسان، ومن الجمال طريقاً إلى التضامن، سواء عبر أعمال تحمل رسائل إنسانية، أم مبادرات توظف الفن في دعم المحتاجين، أم تجارب تمنح الإنسان لحظة للتأمل واستعادة توازنه وسط إيقاع الحياة المتسارع.
من جانبها، أكدت الفنانة الدكتورة مريم كتيت أن الفن يستطيع أن يمنح الإنسان «صوتاً»، وأن يساعد البشر على رؤية ما يجمع بينهم أكثر مما يفرقهم.
وقالت إن التشابه في المشاعر والطبيعة الإنسانية يجعل الفن وسيلة للاتصال بين الناس، مضيفة إن «ما يوحدنا أكثر مما يفصلنا، ومشاهدة المشتركات الإنسانية من خلال الأعمال الفنية تخلق إحساساً بالتقارب، مهما اختلفت البيئات والثقافات».
واستعادت تجربة فنية نفذتها في «عام زايد»، تمثلت في تصميم مقعد عبارة عن مساحة فنية هدفها منح الناس فرصة قصيرة للابتعاد عن ضغط العمل واستعادة قدر من الهدوء والتأمل، موضحة أن الفكرة التي أطلقت عليها اسم «الرويحة» انطلقت من ملاحظتها لضغوط الحياة اليومية، خصوصاً لدى العاملين في القطاعات المالية والمصرفية وبيئات الشركات.
حيث يخرج كثيرون منهم خلال ساعات العمل بحثاً عن استراحة قصيرة، الأمر الذي دفعها إلى التفكير في إمكانية توفير مكان يمنحهم فرصة «للتنفس» والاسترخاء.
وأضافت أنها أدخلت في العمل مؤثرات صوتية تحاكي صوت البحر، بحيث يستطيع الجالس لبضع ثوان أن يتأمل ويتنفس ويستعيد شعوراً بالهدوء، معتبرة أن الهدف كان مساعدة الإنسان على العودة إلى ذاته وإعادة التوازن النفسي وسط إيقاع الحياة السريع.
ولفتت إلى أنها حرصت كذلك على البعد البيئي في تنفيذ العمل، فبدلاً من صناعة الهيكل من مواد جديدة قد ينتج عنها هدر كبير، اتجهت إلى إعادة استخدام مواد موجودة، موضحة أن التجربة أتاحت لها التعرف بصورة أكبر إلى قضايا الهدر في الصناعات الخشبية وسبل الحد منه.
وقالت: «تنقل العمل خلال فترة عرضه بين جهات ومواقع مختلفة في الإمارات، ليقدم نموذجاً على إمكانية الجمع بين الفن والخدمة الإنسانية والاستدامة في تجربة واحدة».
وسيلة أساسية
وأكد الفنان أحمد الوعري أن الفصل بين الفن التشكيلي والعمل الإنساني يعود إلى صورة نمطية شائعة، تنظر إلى الفن باعتباره مجالاً نخبوياً مرتبطاً بالطبقات المقتدرة، فيما يوضع العمل الإنساني في مجال مختلف تماماً.
وقال: «إن تاريخ الفن يقدم صورة مغايرة لهذه النظرة، إذ إن عدداً كبيراً من الفنانين العالميين انطلقوا من قضايا الإنسان، وكانت أعمالهم مرتبطة بالحروب والمعاناة والتحولات الاجتماعية، قبل أن تصبح بعض هذه الأعمال لاحقاً ذات قيمة مالية كبيرة في الأسواق والمزادات».
وأشار إلى أن تجارب فنية عالمية كثيرة استخدمت اللوحة والفنون البصرية لمساندة قضايا إنسانية، كما شهد العالم مزادات خيرية خصص ريعها للأطفال والفئات المحتاجة، مضيفاً:
«اعتمدت منظمات دولية الفن التشكيلي وسيلة أساسية ضمن بعض برامجها الإنسانية، من خلال إقامة ورش للأطفال واللاجئين وإتاحة المجال أمامهم للرسم والتعبير عن تجاربهم، ثم عرض بعض هذه الأعمال أو بيعها في مزادات وتوجيه العائد لخدمة الأطفال أنفسهم».
وأوضح أن استخدام الفن امتد أيضاً إلى مجالات التعليم وتنفيذ الجداريات والمشروعات الفنية العامة، وصولاً إلى عرض بعض الأعمال في متاحف ومؤسسات ثقافية، مؤكداً أن هذه النماذج تكشف أن الفن لا يقف بعيداً عن العمل الإنساني، وإنما يستطيع أن يكون أحد أدواته المؤثرة.
رسائل وتجارب
وفي السياق ذاته قال الفنان حمد الشامسي إن الفن في جوهره يرتبط بكل ما يمنح الإنسان الإحساس بالجمال والفرح، مشيراً إلى أن أثره لا يقتصر على مشاهدة لوحة فنية، بل يمتد إلى الحالة النفسية التي يصنعها لدى المتلقي.
وأضاف: «حين أشاهد رسماً جميلاً أبتسم، وصنع الابتسامة والفرح في حد ذاتهما جزء من خدمة الإنسان»، لافتاً إلى أن البشر لا يملكون جميعاً الوسيلة نفسها للتعبير عن أنفسهم، فهناك من يعبر بالكلمة، وآخرون يجدون في الرسم والفنون وسيلتهم الأكثر قدرة على إيصال أفكارهم ومشاعرهم.
وأكد أن «الفن يستطيع في الوقت نفسه أن يحمل رسائل تتصل بالمآسي الإنسانية والحروب والأزمات، وأن ينقل تجارب الناس ومعاناتهم إلى الآخرين»، مشيراً إلى أن الفنون ظلت عبر التاريخ أحد أبرز ما تحفظه الحضارات من شهادات عن حياة الإنسان وزمنه.
وقال إن الفنان يستطيع خصوصاً من خلال الاتجاهات الرمزية، تضمين العمل الفني رسائل ودلالات قد لا تكون مباشرة، لكنها تتيح له التعبير عن قضايا إنسانية معقدة بوسائل بصرية قادرة على البقاء والتأثير.
قيمة إنسانية
وتتقاطع الآراء الثلاثة عند فكرة أساسية مفادها أن القيمة الإنسانية للفن لا ترتبط فقط بجمع التبرعات أو المبادرات الخيرية المباشرة، وإنما تبدأ من قدرته على إسعاد الإنسان، ومنحه وسيلة للتعبير، وربط البشر بعضهم ببعض، وإتاحة مساحة للتأمل والراحة النفسية، وصولاً إلى توثيق المعاناة والدفاع عن القضايا الإنسانية.




