عندما عُرض فيلم «Point Blank» (بوينت بلانك) للمخرج «جون بورمان» في دور السينما عام 1967، زلزل البنية الهيكلية التقليدية لأفلام الجريمة الأمريكية، فمن الناحية الظاهرية تسير الحبكة وفق مسار مألوف:
مجرم متبلد المشاعر وصارم يُدعى «ووكر»، جسّد شخصيته «لي مارفين» بنبرة حادة وقناعة مخيفة بدت ملامحها كالحجر، يتعرض للخيانة على يد شريكه، ويُترك ليلفظ أنفاسه الأخيرة بين أطلال سجن «ألكتراز».
لكنه يعود من جديد ليتغلغل في الأحياء الخلفية وعالم الجريمة السفلي لمدينة لوس أنجلوس، مستميتاً في استرداد حصته المسروقة البالغة 93000 دولار.
ومع ذلك فإن ما يجعل من «Point Blank» تحفة سينمائية تنتمي لمدرسة «هوليوود الجديدة» ليس تتابع أحداثه، بل أسلوب تنفيذه الراديكالي والمجزأ، فالعمل لم يكتفِ بتحديث سينما التشويق، بل أعاد ابتكارها وصياغتها من الجذور.
قبل عام 1967، كانت سينما «النوار» فيلم (نوار) تُعرّف بشكل أساسي من خلال ظلالها، تلك الأزقة الغارقة في الأبيض والأسود والمبللة بالأمطار في حقبتي الأربعينيات والخمسينيات.
غير أن فيلم «Point Blank» أطلق فعلياً موجة «النوار الملون»، باثاً البرهان على أن مشاعر السوداوية، والاغتراب، والوجل يمكن أن تحيا وتزدهر أيضاً تحت أشعة شمس كاليفورنيا الحارقة، إذ ابتكر «بورمان»، جنباً إلى جنب مع مدير التصوير «فيليب إتش لاثروب»، استخداماً تعبيرياً ومفرط الأناقة للألوان، فبدلاً من محاكاة الواقع، وُظّفت في الفيلم لوحة ألوان صارمة ومشفرة تتغير ملامحها وتتبدل كلما اقترب «واكر» من أهدافه.
وهكذا تنتقل المشاهد بتعمد مدروس عبر درجات الرمادي الباهت، والأصفر الصادم، والأزرق العميق، وصولاً إلى الأحمر الهجومي الصارخ. هذا التوظيف العبقري للبيئات ذات الألوان المرمزة وضع حجر الأساس لجماليات «النوار الملون الصاخب» التي ستعيد لاحقاً صياغة هوية أفلام أيقونية مثل Drive، وThe Long Goodbye، وفيلم Thief للمخرج مايكل مان.
ولعقود خلت، ظل نقاد السينما وباحثوها مأخوذين بقدرة الفيلم الغريبة والمحيرة على طمس الحدود الفاصلة بين الواقع والحلم، إذ تشير قراءة نقدية بارزة وراسخة إلى أن «ووكر» لم ينجُ أساساً من واقعة الخيانة الأولى في سجن «ألكتراز»، بل يمكن قراءة الفيلم بأكمله بوصفه هلاوس بصرية ولحظات احتضار أخيرة يعيشها رجل ينزف على الأرضية الخرسانية لزنزانته، متخيلاً فانتازيا انتقامية مثالية لا تُقهر ضد المنظمة المؤسساتية (Syndicate) التي غدرت به.
وقد تعمد «بورمان» تغذية هذا الغموض والالتباس عبر استخدام مونتاج يربك الإدراك وقفزات زمنية متداخلة، إذ يبدو «ووكر» في كثير من الأحيان أقرب إلى قوة طيفية لا يمكن صدها منه إلى إنسان من لحم ودم.
وفي واحد من أشهر المشاهد في تاريخ السينما، يتداخل الصدى الإيقاعي المدوّي لخطوات حذاء «ووكر» وهو يسير في ردهة مطار معقمة وجافة، ليعبر حدود الزمان والمكان ويتراكب مع لقطات استيقاظ زوجته السابقة من نومها.
إنه يتحرك عبر الحصون المؤسساتية شديدة الحراسة كالأشباح، فلا يلمس الأموال بيده أبداً، بينما يتساقط خصومه ويهوون إلى حتفهم واحداً تلو الآخر دون أن يضطر «ووكر» حتى إلى الضغط على زناد مسدسه. هذا الطمس المستمر والممنهج يترك الجمهور في تساؤل دائم بين ما هو حقيقي وخيال عقل يحتضر.
إن الأثر الذي تركه فيلم «Point Blank» على السينما المعاصرة هائل وضخم، فمن خلال المزج بين الحطام والواقعية الفظة لروايات الجريمة الأمريكية الشعبية (Pulp fiction)، ومحاكاة أسلوبه لـ«الموجة الجديدة الفرنسية»، نجح «بورمان» في تغيير الحمض النووي لسينما الحركة والإثارة بأكملها.
«إن شخصية «ووكر» هي تمهيد لما يعرف بـ«Antihero» المعاصر، أو البطل المخالف للعرف، فهو الجد المباشر لشخصيات تتنوع ملامحها وتتقاطع بدءاً من فيلم «The Limey» للمخرج ستيفن سودربيرغ، وصولاً إلى الاندفاع الضاري والمستميت لشخصية جون ويك».
ولقد عُرف عن «سودربيرغ» استخدامه لفيلم «Point Blank» كمخطط هيكلي وبصمة إرشادية لأسلوبه الخاص في المونتاج، كما أشار «كوانتن تارانتينو» مراراً وتكراراً إلى تسلسله الزمني المجزأ كمصدر إلهام رئيسي لأعماله.
وعبر تحويل التداعيات المباشرة لعملية سطو تقليدية إلى رحلة وجودية ونفسية، برهن «Point Blank» على أن فيلم الجريمة يمكن أن يكون مغرقاً في الفلسفة، وراديكالياً في طابعه البصري، ومثيراً بحبس الأنفاس في آنٍ واحد. وبعد مرور ستة عقود تقريباً لا تزال قبضته الصارمة والباردة على المخيلة السينمائية عصية على الانكسار.
