بيت موندريان.. الاستقرار نتيجة مؤقتة

ابتكر الفنان الهولندي بيت موندريان مواليد 1872م، التجريد الهندسي في بدايات القرن العشرين، عبر شبكة من الخطوط الأفقية والعمودية، ومساحات لونية محدودة، باختلاف الأحجام لمربعات ومستطيلات، وألوان أساسية من أحمر وأصفر وأزرق، بجانب الألوان الحيادية التي تجاورها في مساحات بيضاء وسوداء ورمادية.. في بناء يبدو محسوباً بدقة.

من النظرة الأولى، تظهر لنا الكتل اللونية للبصر متوازنة ومتناغمة، كل عنصر في مكانه، وكل خط يؤدي وظيفة واضحة، وإحساس عام بالانضباط، كأن اللوحة نتيجة ترتيب صارم لا يسمح بالفوضى، لكن هذا الهدوء لا يستمر طويلاً، مع التحديق، ليبدأ التوتر في الظهور.

لوحات خالية من الزخرفة، لا تماثل كاملاً في التكوين، ولا مركز ثابت تستقر عنده العين.. المساحات غير متساوية، والخطوط لا تقسم اللوحة بشكل منتظم. كل جزء يبدو وكأنه يسعى إلى تثبيت موقعه داخل البناء العام.. هذه الدقة منحت العمل حيويته، ومنع السكون.. إذن منذ أن خلقت اللوحة الانطباع الأولي.. ما مدى أهمية لوحاته؟ ولماذا يظهر توتر خفي داخل هذا النظام، مع استمرار التأمل؟

بطبيعة الحال الألوان تؤدي دوراً حاسماً في هذا التوازن، نجد الأحمر يفرض حضوره، الأزرق يتراجع إلى عمق بصري هادئ، والأصفر يضيف خفة مضيئة.. تبقى كل هذه الألوان نقية، لا تختلط، كأنها وحدات مستقلة داخل نظام أكبر، أما الأبيض، فيتحول إلى مساحة فاعلة، يوازن بقية العناصر ويمنحها مجالاً للامتداد..

مع المزيد من التأمل، تتغير طريقة النظر، فالعين تبدأ في التنقل بين تلك المساحات والحدود، والعلاقات، وحيث الخط يقود إلى لون، واللون يعيد العين إلى خط آخر، لا شيء ساكن. التكوين كله في حالة حركة صامتة.

هذا التوتر البصري جزء من بناء العمل، فالتوازن والانزلاق والاختلال.. هنا يُصنع. ما يجعل الاستقرار نتيجة مؤقتة، لا حالة نهائية، حتى يظهر القلق الداخلي، ويتغير الإحساس باللوحة، رغماً عن الصرامة الهندسة، تختفي اللحظة العابرة، وهذه هي حياتنا، وهذه مساحتنا، ومن خلال التأمل من حقنا أن نسأل، عن أي موقع نحن نبحث في الحياة؟ وكيف يمكننا تحديد كياننا؟ وأين معرفة المكان الأمثل لنا؟ بهذا، تتحول الهندسة إلى لغة تبحث عن انسجام داخلي عبر حدود، وتكشف أن نظامنا ومؤسساتنا نفسها تحمل لنا ذات التوتر الخاص، توتر الواقع، منح اللوحة حضورها، وجعلها تستمر في عين المتلقي، ونحن نبحث عن مقدار مساحتنا في الأرض والحياة.

توفي بيت موندريان وامتدت أعماله استلهاماً إلى العمارة، والتصميم، والأزياء، حيث أصبحت شبكته الهندسية مرجعاً بصرياً عالمياً. وبقيت أعماله تجربة قائمة بذاتها، تضع المتلقي أمام سؤال بسيط في ظاهره، عميق في أثره:

أين نقف داخل هذا النظام؟

موضة ايف سان لوران استوحي من موندريان
موضة ايف سان لوران استوحي من موندريان

لوحات موندريان أصبحت ملكية عامة بعد وفاته بـ 70 عاماً
لوحات موندريان أصبحت ملكية عامة بعد وفاته بـ 70 عاماً

معمار مدرسي مستوحى من أعماله
معمار مدرسي مستوحى من أعماله