جثث على لوحات.. كيف تحول القتل إلى استثمار فني رابح بمليارات الدولارات؟

بين مبضع الجراح الحاد وريشة الفنان المرهفة، تلاشت حقوق آلاف البشر الذين استُبيحت أجسادهم لتتحول إلى "خرائط تشريحية" صامتة دون إذن أو هوية.

 يعيد متحف ثاكري للطب في مدينة ليدز البريطانية فتح "الصناديق المغلقة" للتاريخ عبر معرضه المثير للجدل "تحت الملاءات: التشريح، الفن، والقوة". هذا الحدث، الذي يستمر حتى 21 يونيو 2026، ليس مجرد عرض لجماليات الجسد، بل هو محاكمة أخلاقية علنية لقرون من استغلال أجساد الفقراء والمهمشين تحت ستار "التقدم العلمي".

تبدأ حكاية "تأطير الموت" في عام 1632، مع لوحة "درس التشريح للدكتور نيكولاس تولب" بريشة رامبرانت، الجثة تعود لـ أدريان أدريانسون، وهو لص أُعدم بسبب سرقة "معطف شتوي".

اليوم، تُعتبر هذه اللوحة ثروة قومية هولندية محفوظة في متحف "ماورتشويس"، ويقدر خبراء الفن قيمتها السوقية في حال عرضها للبيع بأكثر من 500 مليون دولار، مما يجعل جسد هذا اللص البائس واحداً من أغلى الأجساد المصورة في تاريخ البشرية.

من أبرز مقتنيات معرض ليدز (2026) هي رسومات الجراح جوزيف ماكليس (1851)، تُظهر إحدى اللوحات رجلاً أسود البشرة تم رسمه بوضعية مثالية تحاكي تمثال أبولو الكلاسيكي.

تكمن الصدمة في أن هذا العمل تم تسييسه؛ فقد حُذفت هذه اللوحة تحديداً من النسخ الموجهة لأمريكا قبل إلغاء العبودية لإرضاء النخبة البيضاء، مما يبرز كيف كان العلم يُفصّل وفقاً لأهواء السياسة والعنصرية لضمان مبيعات أعلى وتجنب إثارة الجدل في المجتمعات العنصرية آنذاك.

أطالس بورغيري

يضم المعرض نسخاً نادرة من أطلس جيه إم بورغيري (1866)، والذي وُصف بأنه "الأجمل في تاريخ الطب". استغرق إنجاز لوحاته الملونة يدوياً أكثر من 20 عاماً، وتُباع المجلدات الكاملة منه اليوم في المزادات بأسعار تتراوح بين 40,000 إلى 80,000 دولار.

خلف هذه الألوان الزاهية، تكمن حقيقة مريرة؛ فالأجساد التي تظهر في الأطلس تعود لمهاجرين وفقراء من مشافي باريس، جُردوا من هويتهم ليتحولوا إلى نماذج تعليمية فارهة في مكاتب الأطباء الأثرياء.

خارج حدود اللوحات الجميلة، كان هناك واقع مرعب يفرضه الخوف من "نبش القبور". ففي القرن التاسع عشر، وبسبب الطلب المتزايد من الرسامين والتشريحيين، اضطر الأثرياء إلى اختراع "خزائن الموتى" (Mortsafes)، وهي أقفاص حديدية ثقيلة تُوضع فوق القبر لأسابيع حتى تتحلل الجثة وتصبح غير صالحة للرسم.

المعرض يعرض نماذج لهذه الأقفاص، التي تذكرنا بأن الفقراء وحدهم هم من كانوا "مكشوفين" أمام مشرط الجراح، بينما كان الحديد يحمي جثث الأغنياء من الخلود الفني القسري.

مأساة باترسون

في زاوية أخرى، تبرز رسومات تعود لضحايا السفاحين بيرك وهير (1828)، ومن بينهم ماري باترسون. ماري لم تكن مجرد جثة مجهولة، بل كانت ضحية جريمة قتل عمد لبيع جسدها الدافئ لعلماء التشريح.

المفارقةهي أن الرسامين صوروا جثمانها بوضعيات تحاكي "فينوس" النائمة، مما جعل هذه اللوحات "مادة دسمة" لأطالس طبية بيعت بآلاف الجنيهات، محولةً جريمة القتل  إلى استثمار فني رابح.

أغلى المخطوطات

تتصدر رسومات ليوناردو دا فينشي التشريحية (حوالي 1510) قائمة أغلى المقتنيات العلمية عالمياً؛ فقيمتها التقديرية تتجاوز 2 مليار دولار.

وبالمقارنة، يُعتبر كتاب "بنية الجسم البشري" (1543) لأندرياس فيزاليوس "إنجيل التشريح"، حيث سجل مزاد كريستيز بيع نسخة نادرة منه بمبلغ 1,652,500 دولار، ومن المتوقع أن تتجاوز النسخ الملونة منه حالياً حاجز الـ 3 ملايين دولار في سوق المقتنيات النادرة.

من القصص المثيرة التي يتناولها المعرض هي "النماذج الشمعية" التي صُنعت بناءً على لوحات مفقودة. في مشافي باريس ولندن القديمة، كان الفنانون يعملون في أقبية مظلمة، حيث كانت رائحة الموت تُزكم الأنوف.

يقال إن الفنان "جاك فابيان غوتيه" كان يضيف ملامح حزينة متعمدة لوجوه الموتى في لوحاته، وكأن الجثة تحاول التحدث إلى المشاهد. هذه اللوحات كانت تُعتبر في وقتها "تمائم" طبية تجلب الحظ والوجاهة للطبيب الذي يمتلكها في مكتبه.

يكشف معرض "ليدز" حقائق تقشعر لها الأبدان؛ فمعظم هذه الاستثمارات المليارية قامت على أجساد لم يمنح أصحابها موافقة واحدة.

ومن أبرز الحالات "ماري بيليون" التي حنطها زوجها عام 1775 لعرضها في نافذة عيادته بلندن مرتدية فستان زفافها لجذب الزبائن الأثرياء.

كما يسلط المعرض الضوء على أطالس القرن العشرين، مثل أطلس "بيرنكوف" (1937)، الذي اعتمد على جثث أسرى الحرب الذين أعدمهم النازيون، وهو كتاب لا يزال يثير ذعراً أخلاقياً وجدلاً حول جدوى استخدامه طبياً حتى اليوم.

في نهاية المطاف، يقف معرض "تحت الملاءات" لعام 2026 كمرآة تعكس الصراع الأزلي بين الطموح العلمي والمنظومة الأخلاقية، فمن جهة، لا يمكن إنكار أن هذه الأجساد،رغم قسوة الظروف التي أحاطت بها، قد منحت البشرية خرائط طريق أنقذت ملايين الأرواح وفهمت أسرار الحياة.

ومن جهة أخرى، يظل التساؤل قائماً حول "الثمن الإنساني" لهذا التطور؛ فهل يمكن فصل القيمة العلمية للمشاريع الرقمية الحديثة، مثل جثة "جوزيف جيرنيجان"، عن هويتها البشرية؟ يترك المعرض الباب مفتوحاً أمام الزوار لتقرير مصير هذه العلاقة المعقدة: هل ننظر إلى هذه اللوحات والبيانات كإرث طبيب ضحى به المهمشون من أجل المستقبل، أم كوثائق تاريخية تستوجب الاعتذار؟

إنها دعوة للتفكير في كيف يمكن للعالم الرقمي اليوم أن يتجنب عثرات الماضي، ويصيغ عقداً جديداً يحفظ كرامة الجسد البشري دون عرقلة مسيرة المعرفة.