الأوبريت الوطني يجسد روح الانتماء ويعزف على أوتار الأصالة

في الذاكرة الوطنية لا يشبه الأوبريت عملاً فنياً عابراً بل هو مشهد مكتمل، تتعانق فيه الكلمة واللحن والصورة، ليحكي حكاية وطن بصوت جماعي، ويختصر مسيرته في دقائق نابضة بالرمز والمعنى، غير أن هذا الفن المركب، الذي يعتبر عنواناً للاحتفالات الكبرى ومنصة لتجسيد الهوية والانتماء، يواجه اليوم بضعة تحديات، وتحوطه أسئلة مشروعة عن جدوى استمراره وشروط إحيائه، فبين حنين إلى أوبريتات رسخت في الوجدان، وواقع فني سريع الإيقاع يفضل الأعمال الخفيفة والأقصر عمراً تتكشف ملامح تحديات لا تتعلق بالشعر أو الموسيقى وحدهما، بل تمتد إلى التخطيط، والرؤية، والوقت، والاختيار، والدعم المؤسسي. وفي هذا السياق، يفتح مبدعون من عوالم الشعر والموسيقى والطرب نافذة صريحة على كواليس هذا اللون الإبداعي، كاشفين عن شروط نجاحه، وأسباب تعثره، والحدود الفاصلة بين الأوبريت الحقيقي واللوحات الغنائية العابرة.

ويوضح الفنان إبراهيم جمعة، مستشار الفنون بمركز حمدان بن محمد لإحياء التراث، في تصريح لـ«البيان»، أنه قدم، بالتعاون مع الشاعر عارف الخاجة، العديد من الأوبريتات، منوهاً بحالة التفاهم الإبداعي، التي تربطه بالشاعر عارف الخاجة، الذي يجيد إبداع ألوان شعرية متنوعة باللغة العربية الغنائية والشعر النبطي القُح واللهجة الدارجة.

وأشار إلى أن ثمة اختلافاً بين مفهوم الأوبريت، الذي تراجع ابتداء من عام 2010، وما يتم تقديمه الآن من لوحات غنائية، مبيناً أنه ينبغي أن يشتمل الأوبريت على حوار وراوٍ ورؤية بديعة وموضوعية وقصة، وأن اكتمال هذه الأركان هو ما يسوغ إدراج العمل الفني، ضمن هذا اللون الإبداعي الفريد، مع إدراك أن الأوبريت يشكل فكرة ذات رؤية عميقة، لا مجرد لحن وأغنية فحسب. وأكد جمعة ضرورة توظيف الفنون التراثية داخل فن الأوبريت، وترجمة ملامح البيئة الإماراتية الساحلية والجبلية داخل هذا النسق الإبداعي.

عمل جماعي

وأكد الشاعر عارف الخاجة أن نجاح الأوبريت، بوصفه عملاً فنياً مركباً، لا يتحقق إلا من خلال رؤية واضحة وتخطيط دقيق، يبدأ من اللحظة الأولى للتكليف، مشدداً على أن الإبداع الشعري والموسيقي والغنائي لا يمكن أن يزدهر في بيئة عشوائية أو تحت ضغط الوقت.

وأوضح الخاجة أنه عند تكليفه بأي عمل فني يحرص أولاً على طرح مجموعة من الأسئلة الجوهرية على المنتجين، تتعلق بعنوان العرض، وسيناريوهاته المتخيلة أو الجاهزة، والرسالة المراد إيصالها، وطبيعة الجمهور المستهدف، ومدة العرض ومكانه، إضافة إلى هوية الملحنين والمطربين والمخرج، ووجود ممثلين أو رواة أو فرق استعراضية، فضلاً عن تحديد المرجعية الفنية، التي يتواصل معها مباشرة أثناء العمل، والمدة الزمنية المتاحة لتسليم النص، وآلية مراجعته.

وأشار إلى أن الجلوس مع مخرج العرض يمثل خطوة أساسية لا يمكن تجاوزها، بهدف توحيد الرؤية الفنية، وضمان تطابق الكلمة مع الصورة والمشهد، موضحاً أن أي انفصال بين النص واللحن والإخراج ينعكس سلباً على العمل ككل.

وبين الخاجة أن مرحلة الكتابة لا تبدأ إلا بعد استيعاب جميع التفاصيل، حيث يعمل على بناء لوحات الأوبريت ومقدماتها والروابط بينها، قبل الانتقال إلى التعاون مع الملحنين، الذين يترجمون النصوص إلى ألحان وموسيقى تعبيرية تتكامل مع الكلمات، في عملية وصفها بـ«سباق التتابع الإبداعي»، حيث يسلم كل طرف «العصا» للطرف التالي بدقة ومسؤولية. وأضاف أن نجاح الأوبريت يعتمد كذلك على معرفة الملحنين بطبيعة أصوات المطربين وأدوار الكورال والموسيقى الخلفية ومؤثرات الدخول والخروج.

معرفة وخبرة

وشدد عارف الخاجة على أن هذه العملية تتطلب وقتاً كافياً وتأنياً حقيقياً، لافتاً إلى أن الأوبريت عمل إبداعي جماعي ضخم، لا ينجح إلا عندما يسند إلى مختصين يمتلكون المعرفة والخبرة المناسبة لطبيعة الموضوع المطروح. وأكد أن سوء الاختيار يمثل أحد أبرز أسباب عدم نجاح الأعمال، إذ لا يمكن – على حد تعبيره – تكليف ملحن أو موزع غير متخصص بتقديم عمل، يتناول حضارات أو موضوعات تاريخية عميقة.

وانتقد الشاعر ظاهرة الاستعجال في الإنتاج، مشيراً إلى أن بعض الجهات تطلب نصوصاً سريعة قبل العرض بأسابيع قليلة، وهو ما يضعف جودة العمل مهما بلغت الميزانيات. وفيما يتعلق بتراجع حضور الأوبريت الوطني في المشهد الفني المعاصر، أوضح الخاجة أن أسبابه متشابكة، ويمكن استنتاج الكثير منها من غياب التخطيط السليم، وسوء الاختيار، وضيق الوقت، وغياب الرؤية الفنية المتكاملة.

أما عن سبل إحياء هذا الفن بأسلوب مبتكر، فشدد الخاجة على ضرورة تبني التفكير الإبداعي الحديث، واحترام خصوصية كل عمل وظروفه، وإعطاء المبدعين المساحة الكافية لتقديم رؤاهم دون فرض ما يربك النص أو يفرغه من روحه، مع منح الأعمال الوقت اللازم للنضج قبل تقديمها للجمهور.

وختم الخاجة حديثه بالتأكيد أن عدم تقديم عمل أفضل من تقديم عمل مرتجل؛ لأن الأوبريت الحقيقي لا يصنع على عجل، بل يبنى بصبر ومعرفة وشغف، ليبقى حياً في ذاكرة الناس، ويعزز الانتماء الوطني برؤية ثقافية معاصرة.

ولفت المطرب حبيب الياسي إلى أن نجاح الأوبريت الوطني لم يعد يعتمد على عناصره التقليدية المتمثلة في الشعر والموسيقى والغناء فقط، كما كان الحال في السابق، بل بات اليوم مرتبطاً بمجموعة أوسع من العوامل، في مقدمتها الدعم الإعلامي، وتبني المشروع من قبل الجهات المعنية، إضافة إلى إشراف أصحاب الاختصاص في مختلف مراحل الإنتاج.

وأوضح الياسي أن الأوبريت يعد محطة ثقافية مهمة في مسيرة أي بلد؛ لكونه يحمل بعداً توثيقياً وهوية وطنية، ويشكل حالة فنية مختلفة تماماً عن الأغنية المنفردة، سواء من حيث البناء أو الرسالة أو التأثير.

وحول أسباب تراجع حضور الأوبريت الوطني في المشهد الفني المعاصر، أشار الياسي إلى أن ارتفاع التكلفة الإنتاجية يمثل أحد أبرز العوائق أمام تقديم أوبريتات بمستوى عالٍ من الجودة، إلى جانب ابتعاد عدد من أصحاب الاختصاص عن هذا النوع من الأعمال، وتوجههم إلى إنتاج الأغاني المنفردة ذات الكلفة الأقل والانتشار الأسرع، كما ذكر أن ربط الأوبريتات الوطنية بمناسبات محددة أسهم في تقليص حضورها، مؤكداً أن الأعمال الوطنية، سواء كانت أوبريتات أو أغاني منفردة، يجب ألا تحصر في زمن أو مناسبة معينة؛ لأن التعبير عن حب الوطن لا يحتاج إلى توقيت محدد، بل هو شعور دائم ومتجدد.