نجحت دبي، خلال السنوات القليلة الماضية، في تحقيق قفزات مشهودة في قطاع الاقتصاد الإبداعي، وترسيخ مكانتها بوصفها قِبلة للمواهب العالمية في المنطقة، وملتقى يجذب الأثرياء من عشاق الفن بألوانه المتنوعة.
وبفضل استراتيجيتها للاقتصاد الإبداعي، وجد المبدعون في الإمارة المناخ الملائم والمحفز لخلق قيمة اقتصادية مضافة لإبداعاتهم، الأمر الذي شجع نمو قطاع الصناعات الثقافية، ليصبح رافداً قوياً من روافد المنظومة الاقتصادية المستقبلية المتنوعة القائمة على الابتكار والإبداع.
وأثبتت الأرقام تضاعف عدد المليونيرات في الإمارات عموماً، ودبي خصوصاً، الذي يؤدي دوراً إيجابياً في ازدهار سوق السلع الفنية، فقد أكد موقع «آرت سبيكترم» نمو عدد أصحاب الثروات الكبيرة في الدولة بنسبة 39 % بين عامي 2021 و2022، أي من 160 ألفاً إلى أكثر من 228 ألفاً، وذلك نقلاً عن تقرير صادر العام الماضي عن نيو وورلد ويلث وهينلي وشركائه، كما أشار تقرير صادر هذا العام عن المؤلفين أنفسهم، أن عدد أصحاب الملايين في دبي قد تضاعف خلال العقد الماضي، وأنه من المتوقع أن يتضاعف مجدداً بحلول عام 2035.
وتقدَّر إيرادات السوق الفنية عبر الإنترنت في الإمارات لعام 2024 بـ 305.5 ملايين دولار، ومن المتوقع أن ترتفع إلى 488.1 مليون دولار بحلول عام 2033، بمعدل نمو سنوي مركَّب يبلغ 5.3 %، وذلك وفق بيانات نشرها موقع «هورايزون داتا بوك»، أكبر بوابة في العالم لتقارير السوق والإحصاءات.
«آرت دبي»
وبالنظر إلى «آرت دبي»، المنصة الرائدة لمشاهدة وشراء الأعمال الفنية التي تؤدي دوراً مهماً في دعم الفن والفنانين من خلال أقسام المعارض المعاصرة والحديثة والرقمية، يلاحظ أن المعرض، خلال دورته الثامنة عشرة، رفد دبي بأكثر من 120 معرضاً فنياً، ومجموعة من التكليفات الفنية الجديدة، والمنشآت الرقمية، والنقاشات التي تهدف إلى تحديد الرهانات الثقافية والتكنولوجية للفن المعاصر.
وكشفت دراسة للأثر الاقتصادي، أجرتها شركة استشارات أبحاث السوق المستقلة الرائدة «إبسوس»، أن المعرض الفني الشهير في منطقة الشرق الأوسط والجنوب العالمي، استقطب 23,500 ليلة فندقية في دبي عام 2023.
وفي هذا السياق، قالت بينيديتا غيوني المديرة التنفيذية لـ «آرت دبي»، في تصريح نشره موقع «دبي للإعلام»: «تؤكد بيانات الأثر الاقتصادي، النمو والتطور المستمر لدبي بوصفها العاصمة الثقافية للفن، وقد كان عام 2023 الأكثر نجاحاً لـ «آرت دبي»، وواصل المعرض نجاحاته بناءً على السمعة التي اكتسبها، ما عزز مكانته الفريدة في سوق الفن».
وتجاوباً مع صدى الإنجازات التي حققها المعرض، الذي بات يرسخ مكانته بوصفه حاضنة للأفكار الإقليمية ذات الصيت العالمي، نشطت العديد من البيناليات البارزة في المنطقة، مثل «بينالي الشارقة»، و«بينالي الفنون الإسلامية» في المملكة العربية السعودية، و«أسبوع الفن» في الرياض، وأخذت تتطلع إلى المشاركة في «آرت دبي».
وتقول سني رهبار الشريكة المؤسسة لغاليري «الخط الثالث» في دبي: «شهد سوق الفن في دبي نمواً هائلاً، وكانت الإمارة من أوائل الوجهات السياحية الرئيسة التي أعادت فتح أبوابها للزوار بعد جائحة كوفيد 19»، وذلك وفقاً لموقع «آرت نيوز».
وتضيف رهبار: «شهدنا تدفقاً كبيراً، ليس من الغربيين فقط، بل من العرب أيضاً، وغدت دبي، بفضل «آرت دبي»، ملتقى يتطلع إليه الفنانون والتجار باختلاف جنسياتهم، ويعتزون بالانتماء إليه والعيش فيه».
ويوضح محمد حافظ، جامع الأعمال الفنية وأحد مؤسسي معرض «أثر»، في تصريح لموقع «آرت نيوز»، أن العديد من المعارض الفنية تقصد «آرت دبي»، أملاً في بناء علاقات مع المتاحف العديدة في المنطقة، مشيراً إلى أن العديد من المؤسسات لا تزال تعمل على بناء مجموعاتها الفنية، وتسعى لاقتناء أعمال فنية من عصور مختلفة، أو تكليف فنانين بأعمال جديدة.
ويردف: «إنها سوق جديدة تماماً في دبي، وهناك فرصة للمعارض التي يمكنها التفكير بشكل استراتيجي، وتكون على استعداد للاستثمار».
ولا شك أن جانباً كبيراً من هذا الزخم الإبداعي في الإمارة، تقف وراءه هيئة الثقافة والفنون في دبي «دبي للثقافة»، التي أصبحت، برئاسة سمو الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم، محرك دفع رئيساً وراء الحراك النوعي الذي يتميز به المشهد الفني في دبي، بما قدمه من الدعم اللامحدود للقطاع الخاص، الذي تعد شراكته مع الهيئة ركيزة راسخة، تقوم عليها نهضة دبي الحديثة على الصعيد الاقتصادي.
وفي هذا الإطار، حظي رواد الأعمال والشركات الصغيرة والمتوسطة المنضمة، برعاية كبيرة من قبل الجهات المعنية في دبي لتسهيل ممارسة المواهب الإبداعية، وتوفير بيئة مبتكرة ومرنة، تسهم في تأسيس المشاريع في إمارة دبي، ما يحفز نمو قطاع الاقتصاد الإبداعي.