قصائد الديوان الشعري بين جدلية الوحدة والتنوع

بعد رحلة مضنية يعايش فيها الشاعر أفراحه وهمومه، ويتغنى خلالها بمشاعره المفعمة بالضحكات والآهات، ويسطر على وقعها أحلامه وهواجسه، لتنطق بما يجول في وجدانه، تحين اللحظة التي يحط فيها أوزار مسيرته الطويلة، موثقاً ما أبدعه في صفحات ديوان تحكي أسرار نفسه، وتبوح بغوامض فكره.

وما إن يوضع الديوان بين أيدي القراء حتى يتساءلوا عن العلاقة، التي انتظمت في عقدها قصائده، وتثور إشكالات عديدة حول أسباب وجودها معاً ضمن إصدار واحد، وتتزايد الاستفسارات عن الظروف التي رتب الشاعر على أساسها عناوينه.

«البيان» استطلعت آراء شعراء تنوعت رؤاهم في الضوابط الفنية، التي ينبغي مراعاتها عند إعداد الديوان الشعري، وعما إذا كان اتحاد قصائده مضموناً أو أسلوباً من الغايات الإبداعية، التي يليق بالشاعر المجيد أن يلتزمها ويحرص عليها.

تناغم وانسجام

وأكد الشاعر الإماراتي عيضة بن مسعود أن بعضاً من الدواوين الشعرية يتسم بعدم التنسيق والتناغم لأسباب عديدة، منها المزج بين أغراض شعرية متفاوتة، ولكن بصورة خطأ، مؤيداً تنوع الموضوعات الشعرية في الديوان الواحد؛ لأن الديوان في نظره هو بستان شعري، يشتمل على ورود من كل الأنواع، يستلذ القارئ بأفكارها المختلفة، لكن بشرط أن يتم ذلك بأسلوب متسلسل تتابع من خلاله القصائد بانسجام.

وقال: «بصفتي مراجعاً للدواوين الشعرية في أكثر من جهة في الدولة ألاحظ أنه في كثير من الدواوين قد تتوحد قصائد الشاعر، وتتناغم في روحها ومفرداتها من دون أن يشعر، وإن اختلفت موضوعاتها»، لافتاً إلى أن لدى الشاعر المجيد خط سير شعرياً واحداً، بحيث يتكرر الألم، أو الفرح، أو الحزن، أو الهم نفسه في أغلب قصائده، ومن ثم فإن ضرورة وجود تلك العلاقة بين نصوص الديوان مرتبطة بمدى موهبته.

وبخصوص قضية الوحدة الموضوعية في الشعر العربي أوضح أنها تنقسم في رأيه إلى نوعين: الأول يلتزم فيه الشاعر موضوعاً محدداً من أول أبيات القصيدة حتى آخرها، والآخر يتنقل عبره بتسلسل جميل بين الأفكار، مشيراً إلى أن مقدرة الشاعر الإبداعية في النوع الثاني تكمن في عدم تجاوز الموضوع الأساس إلى موضوعات بعيدة، يختل معها بناء القصيدة.

من جانبه وصف الشاعر السعودي أحمد العلي تضمين الديوان الشعري قصائد مختلفة الموضوعات متباينة الرؤى بأنه أسلوب قديم في تعاطي الكتابة الشعرية كالذي نطالعه مثلاً في ديوان أبي الطيب المتنبي، وغيره من الشعراء، مؤكداً أن الديوان هو في نهاية الأمر كتاب لا بد أن يتسم بطريقة إبداعية موحدة وفكرة تلم شتات كل النصوص التي بين دفتيه. ودعا العلي الشعراء المعاصرين إلى ضرورة الاستفادة من تجربة الروائيين في كيفية بناء الكتاب وفق تصور واحد ينظر إلى العمل الأدبي من أولى الصفحات حتى نهايتها، وألا يقتصروا في دواوينهم المنشورة على جمع قصيدة من هنا، وأخرى من هناك بلا رابط منطقي، مشدداً على أهمية أن يُعد الشاعر ألفاظ معجمه، التي سيستعملها في ديوانه ويختارها بعناية فائقة لهذا الغرض.

ونوه بصنيع الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش في قصيدتيه «الجدارية» و«حالة حصار» اللتين شكلت كل منهما ديواناً مستقلاً، استغرق وقتاً طويلاً لبنائه في صورة عمل أدبي مكتمل، لافتاً إلى أن الدواوين من هذا النوع تنسج حول القارئ جواً فنياً مميزاً، وتضعه في أحداث قصة تامة الأركان.

فصول شعرية

من جهته رأى الشاعر السوري مصعب بيروتية أنه ليس من الضروري أن تكون نصوص المجموعة الشعرية متحدة في الموضوع، وأن الشعر كائن حي متقلب وحر بطبعه، ولا يمكن أن يحبس داخل إطار واحد، موضحاً أنه من الأمثل أن تنقسم المجموعة إلى فصول شعرية، بحيث يشكل كل فصل وحدة قائمة بذاتها، ترتكز على مفهوم أو حالة شعورية معيَنة.

وقال بيروتية: «أعتقد أنه مثلما تتوزع الرواية على فصول تبقي القارئ متفاعلاً أرى أن الديوان أيضاً يستحق أن يبنى بطريقة تجعل منه تجربة متكاملة وجاذبة؛ فليست القصة أو الرواية وحدها ما يثير القارئ ويشده، ولكن الشعر أيضاً قادر على الإبهار، إذا تم تقديمه بشكل متسق ومتصل داخلياً»، مؤكداً أنه حين يشعر القارئ بأن هناك خيطاً خفياً يربط القصائد بعضها ببعض، أو على الأقل الفصول فإن وقع الديوان يصبح أعمق وأشد تأثيراً.

وأضاف: «كثير من الشعراء، حتى داخل القصيدة الواحدة، يفقدون التركيز، فتتداخل المشاعر، وتختلط الحالات، ويتقطع وقت الكتابة، فيضيع المعنى ويتشتت النص، وهنا أجد أن وحدة الموضوع داخل القصيدة الواحدة أمر لا غنى عنه؛ فهي بمثابة الأرض التي تقف عليها الفكرة بثبات»، داعياً إلى أن تجتمع جميع فصول الديوان تحت مظلة فكرية أو شعورية متقاربة، بحيث يسود الانسجام لا التطابق، ولا يقع الشاعر في التكرار الممل، أو التشتيت المربك.