من فطر «قبعة الموت» إلى شجرة «تفاح الموت»، تخفي الطبيعة كائنات ونباتات تبدو أحياناً جميلة أو مألوفة، لكنها تحمل سموماً قد تكون قاتلة، فما بين الفطريات التي تتسبب في حالات تسمم خطيرة، والنباتات التي تنتشر في الحدائق والغابات والبيئات الطبيعية، يبرز سؤال مهم: أيهما يشكل تهديداً أكبر لحياة الإنسان؟
في إنجلترا، وتحديداً في مقاطعة نورثمبرلاند، تقدم حديقة السموم في حدائق ألنويك نموذجاً لافتاً للتنوع الخطير في عالم النباتات، وتضم الحديقة مجموعة من الأنواع السامة والمخدرة، التي تشمل نباتات مثل الشوكران والباذنجان الأسود، وتُعرض في إطار توعوي يتيح للزوار التعرف على مخاطرها من مسافة آمنة.
ولا تقتصر السموم الطبيعية على النباتات، فالفطريات تضم بدورها أنواعاً شديدة الخطورة، من أبرزها فطر «أمانيتا فالويدس»، المعروف باسم «قبعة الموت»، الذي يُعد من أكثر أنواع الفطر سمية في العالم.
«قبعة الموت».. فطر يتسبب في معظم وفيات التسمم
وفقاً لمجلة كولومبيا البريطانية الطبية، ترتبط سموم الأماتوكسين الموجودة في فطر «قبعة الموت» بنحو 90% من الوفيات الناجمة عن تناول الفطر السام عالمياً.
ويحتوي هذا الفطر على مركبات سامة، أبرزها ألفا أمانيتين، الذي يعطل إنزيماً أساسياً في الخلايا مسؤولاً عن عملية إنتاج البروتينات، ما يؤدي إلى تلف الخلايا وموتها، خصوصاً في الكبد والكلى.
وتكمن خطورة هذا الفطر في أن أعراض التسمم لا تظهر دائماً بصورة فورية، إذ قد تبدأ بنوبات من الإسهال والقيء، يعقبها تحسن ظاهري خلال الأيام الأولى، قبل أن تتطور الحالة لاحقاً إلى تلف خطير في الكبد والكلى، وقد يصل الأمر إلى فشل عدة أعضاء والوفاة.
وبحسب التقرير، قد يستغرق ظهور المضاعفات الشديدة ما بين أربعة وتسعة أيام، وهو ما يجعل التشخيص المبكر أمراً بالغ الأهمية، خصوصاً أن فترة التحسن المؤقت قد تعطي انطباعاً مضللاً بتجاوز مرحلة الخطر.
وكان انتشار هذا الفطر محدوداً في أوروبا في الأصل، لكنه وصل إلى مناطق أخرى من العالم، بينها الأمريكتان وآسيا وأستراليا وجنوب أفريقيا، مع انتقاله عبر جذور الأشجار المستوردة، إذ يعيش في علاقة تكافلية مع جذور أنواع معينة من الأشجار.
نباتات قاتلة.. أزهار جميلة وسموم شديدة الخطورة
في عالم النباتات، لا توجد قائمة متفق عليها عالمياً تحدد نوعاً واحداً باعتباره الأكثر سمية، لكن هناك أنواعاً معروفة بقدرتها على إحداث أضرار صحية بالغة، حتى إن بعضها قد يؤدي إلى الوفاة.
ويأتي الشوكران السام ضمن أبرز هذه النباتات، فرغم أزهاره البيضاء التي قد تجعله يبدو مألوفاً وغير مؤذٍ، فإنه يحتوي على مركبات سامة، أبرزها الكونين، الذي يؤثر في الجهاز العصبي، وقد يتسبب في ضعف العضلات والشلل، وصولاً إلى فشل الجهاز التنفسي والوفاة.
ومن النباتات الأخرى شديدة السمية نبات ست الحسن، المعروف علمياً باسم «أتروبا بلادونا»، إذ تحتوي أجزاؤه المختلفة على مركبات تؤثر في الجهاز العصبي، وقد يؤدي تناولها إلى اضطرابات في الرؤية والصداع والهلوسة، فضلاً عن مضاعفات قد تهدد الحياة.
أما نبات الخروع، فيحتوي على مادة الريسين السامة، الموجودة في بذوره، وهي مادة شديدة الخطورة، وقد يؤدي التعرض لها إلى أضرار صحية جسيمة، ويشتهر النبات بأوراقه الكبيرة المزخرفة وقرونه الشائكة ذات اللون الأحمر، ما يجعله مثالاً آخر على التباين بين المظهر الجذاب والخطورة الحقيقية.
وتبرز شجرة المانشينيل، المعروفة باسم «شجرة تفاح الموت»، باعتبارها واحدة من أخطر الأشجار في العالم. وتحتوي على عصارة سامة قد تسبب حروقاً وتهيجاً شديداً عند ملامستها للجلد، كما قد تحمل قطرات المطر المتساقطة من أغصانها آثاراً من هذه العصارة.
ولا تقتصر الخطورة على الشجرة نفسها، إذ تنتج ثماراً تشبه التفاح الصغير، لكنها سامة وقد يؤدي تناولها إلى تسمم شديد، وهو ما يفسر تسميتها المخيفة.
أيهما أكثر خطورة.. الفطريات أم النباتات؟
تشير المقارنة بين العالمين إلى أن الفطريات والنباتات السامة تمثلان مصدرين مختلفين للخطر، لكن طبيعة التهديد تختلف بينهما.
فبحسب التقرير المنشور في موقع «IFLScience»، ترتبط الفطريات بنحو 70% من حالات التسمم الطبيعي، إلا أن عدد الأنواع المعروفة بأنها سامة ويتراوح بين 30 و50 نوعاً، لا يشكل سوى عدد محدود منها تهديداً مباشراً للحياة، إذ يُقدر عدد الأنواع التي قد تكون قاتلة بنحو عشرة أنواع.
ويبرز فطر «قبعة الموت» باعتباره أحد أخطر هذه الأنواع، بسبب شدة سميته وصعوبة التعرف عليه أحياناً، إلى جانب تأخر ظهور أعراض التسمم، ما يزيد احتمالات حدوث مضاعفات خطيرة قبل اكتشاف السبب.
في المقابل، تتميز النباتات السامة بتنوعها وانتشارها في بيئات مختلفة، كما تتباين طرق التعرض لمخاطرها بين تناول أجزاء منها أو ملامسة عصارتها، وهو ما يجعل التعرف عليها أمراً مهماً، خصوصاً في الحدائق والمناطق الطبيعية.
لا يمكن حسم المنافسة بصورة مطلقة لمصلحة أحد الطرفين، فالفطريات تضم أنواعاً شديدة الفتك، بينما توفر النباتات السامة مصادر متعددة للخطر، بعضها لا يتطلب تناول النبات حتى يسبب أضراراً صحية.
وتظل حديقة السموم في ألنويك مثالاً على أهمية التوعية بمخاطر هذه الكائنات، إذ تتيح التعرف على أنواع من النباتات الخطيرة ضمن بيئة منظمة وآمنة، فيما تبقى القاعدة الأهم عند التعامل مع الطبيعة هي عدم تناول أي فطر أو نبات بري مجهول، أو ملامسته قبل التأكد من هويته.

