لم يكن مزارع مصري يتوقع أن تقوده أعماله اليومية في قطعة أرض أمام منزله إلى اكتشاف أثري يعود إلى آلاف السنين. ففي قرية بهبيت الحجر بمحافظة الغربية، عثر على كتلة حجرية تحمل نقوشا، لتقود ملاحظته السلطات الأثرية إلى الكشف عن بقايا تمثالين ملكيين ضخمين، يُرجّح أن أحدهما على الأقل يعود إلى الفرعون رمسيس الثاني، أحد أشهر ملوك مصر القديمة.
وبحسب وزارة السياحة والآثار المصرية، بدأت القصة عندما أبلغ المزارع مفتشي الآثار المحليين بما عثر عليه، فأُرسِل فريق متخصص لإجراء حفائر إنقاذ وتوثيق القطع المكتشفة وحمايتها. وأسفرت الأعمال الأولية عن ظهور أجزاء من تمثالين ملكيين، إلى جانب كتلة من الجرانيت الوردي تحمل نقوشًا هيروغليفية.
تمثال بارتفاع 8.5 أمتار
كان أبرز ما كشفته الحفريات رأس حجري ضخم يبلغ ارتفاعه نحو 1.6 متر، يظهر فيه الملك مرتديًا التاج المزدوج الذي يرمز إلى اتحاد مصر العليا والسفلى. كما يحمل الجزء الخلفي من التمثال نقشًا يتضمن أحد الألقاب الملكية المرتبطة بحورس، وهو ما يدعم تحديد هوية صاحبه.
ويرجّح المسؤولون أن التمثال الكامل كان سيبلغ ارتفاعه نحو 8.5 أمتار، بما في ذلك القاعدة، استنادًا إلى أبعاد الرأس ونسب التماثيل الملكية. لكن هذا التقدير يظل افتراضيًا، إذ لم يُعثر حتى الآن إلا على أجزاء من التمثال.
أما التمثال الثاني، فيبلغ طول الجزء المكتشف منه نحو 2.4 متر، وتظهر عليه ملامح ملكية وغطاء الرأس المعروف باسم «النمس». ويعتقد المسؤولون أنه قد يصوّر رمسيس الثاني أيضًا، إلا أن غياب نقش يحمل اسم الملك يجعل تحديد هويته أقل يقينًا.
وبالقرب منهما، عثر الفريق على كتلة من الجرانيت الوردي يبلغ طولها نحو 1.3 متر، تحمل ألقابًا ملكية من بينها «ملك مصر العليا والسفلى» و«ابن رع». ويُعد الجرانيت الوردي من الأحجار التي ارتبطت بالمشروعات الملكية الكبرى في مصر القديمة، وكان يُنقل من محاجر أسوان الواقعة على بُعد مئات الكيلومترات جنوبًا.
معبد بُني بعد رمسيس بنحو 900 عام
تزداد أهمية الاكتشاف بسبب موقعه؛ إذ تقع بهبيت الحجر بالقرب من أطلال معبد إيزيس الشهير، المعروف باسم «الإيزيوم»، الذي شُيّد في فترة لاحقة لعصر رمسيس الثاني بنحو تسعة قرون.
ويعود بناء الجزء الأكبر من المعبد إلى عهد الملك نختنبو الثاني، الذي حكم مصر بين عامي 360 و342 قبل الميلاد، قبل أن يستكمل خلفاؤه من البطالمة أجزاء منه. وقد تميز المعبد باستخدام الجرانيت على نطاق واسع، على خلاف كثير من المعابد المصرية التي اعتمدت على الحجر الجيري أو الرملي.
لكن المعبد تعرض للانهيار في العصور القديمة، ويرجح أن زلزالًا أسهم في سقوطه، ثم نُقلت أجزاء من أحجاره المنقوشة إلى مواقع ومجموعات أثرية مختلفة.
ويطرح الكشف تساؤلات حول كيفية وصول تماثيل يُرجح أنها تعود إلى عهد رمسيس الثاني إلى موقع المعبد الذي شُيّد بعد عصره بقرون. وبين احتمال وجود التماثيل في الموقع منذ البداية، أو نقلها إليه وإعادة استخدامها في فترة لاحقة، لا تزال هذه المسألة بحاجة إلى مزيد من البحث والدراسة الأثرية.
الحفريات مستمرة لكشف القصة
لا يزال تحديد العلاقة بين التمثالين والمعبد أحد أبرز الألغاز التي يسعى علماء الآثار إلى حلها. وأكد مسؤولون مصريون استمرار أعمال التنقيب للعثور على مزيد من الأجزاء والنقوش التي قد تساعد على تحديد هوية التمثال الثاني وفهم تاريخ الموقع.
ويعيد الاكتشاف التذكير بأن الحقول والقرى المصرية قد تخفي تحت تربتها بقايا من عصور متعاقبة، وأن اكتشافًا عابرًا قد يفتح بابًا جديدًا لفهم انتقال الآثار الملكية وإعادة استخدامها عبر التاريخ.
وفي بهبيت الحجر، بدأت الحكاية بكتلة حجرية لفتت انتباه مزارع، لكنها تحولت إلى اكتشاف يطرح أسئلة جديدة عن تماثيل الفراعنة ومصيرها بعد قرون من تشييد المعابد التي بقيت شاهدة على حضارتهم.
بهبيت الحجارة
وتُعد قرية بهبيت الحجارة في محافظة الغربية من المواقع الأثرية المهمة في دلتا مصر، وتشتهر ببقايا معبد ضخم خُصص لعبادة الإلهة إيزيس، إلى جانب كتل وعناصر معمارية مصنوعة من الجرانيت تعكس المكانة الدينية والمعمارية التي حظيت بها المنطقة في مصر القديمة. ولا تزال أعمال البحث والتنقيب جارية لتوضيح مزيد من تفاصيل هذا الكشف وأهميته التاريخية.
وتُعد قرية بهبيت الحجارة، التابعة لمركز سمنود بمحافظة الغربية، من أبرز المواقع الأثرية في دلتا مصر، إذ تحتضن بقايا معبد إيزيس، ويُعرف الموقع أيضاً باسم «الإيزيوم»، نسبة إلى إيزيس، وقد تميز بتصميمه المعماري واستخدام كتل ضخمة من الجرانيت الوردي في تشييد أجزائه المختلفة.
وتشير البقايا الأثرية إلى الأهمية الدينية التي حظيت بها المنطقة، وتضم أطلال المعبد عناصر معمارية ونقوشاً تعكس مهارة المصريين القدماء في نحت الأحجار الثقيلة ونقلها واستخدامها في المنشآت الدينية.
ورغم ما تعرض له المعبد من انهيار واندثار أجزاء واسعة منه عبر العصور، لا تزال بقاياه تحمل دلائل مهمة عن تاريخ الموقع وتطوره. ويثير اكتشاف أجزاء من تماثيل ملكية، بينها رأس يُرجح أنه للملك رمسيس الثاني، تساؤلات حول كيفية وصولها إلى المنطقة، وما إذا كانت مرتبطة بالمعبد الأصلي أو نُقلت إليها في مرحلة لاحقة. وتستمر أعمال الحفائر والدراسات الأثرية للكشف عن مزيد من تفاصيل الاكتشاف وتحديد دلالاته التاريخية.
