كانت هناك طية مميزة لا يخلو منها بيت، ذلك الثَّنْيُ القائم في منتصف الصحيفة، الذي يلين ملمسه لكثرة ما فُتحت وطُويت مرات ومرات على مائدة الإفطار، وآثار الحبر العالقة بأصابعك بحلول الوقت الذي تبلغ فيه قسم الرياضة. لن تظفر بمثل تلك الطية من شاشة الهاتف؛ فكل ما تملكه هو إبهام يمرر للأعلى، إلى ما لا نهاية.
كان للصحف والمجلات الورقية معمار بنيوي محاه التمرير المستمر (Scrolling) في صمت: «النهاية». كان بإمكانك أن تمسك بالجريدة وتشعر، حسياً ومادياً، بحجم ما تبقى منها بين يديك. كانت الصفحة الأولى تخبرك بما هو أشد أهمية، وببساطة مطلقة من خلال موضع الخبر وحجمه فوق الورق.
كنت تقلب الصفحات تباعاً، بنظام متسلسل، متجاوزاً عناوين خضعت لتقييم مسبق وترتيب واعٍ من محرر أعمل حكمه المهني قبل أن تقع عينك عليها.
وحين كانت قصة ما تهمك حقاً، كان ثمة طقس متاح لها لم ينجح أي تطبيق إخباري في استنساخه قط: أن تقصها. كنت تطوي الصفحة، أو تقتطع المقال بمقص، لتودعه في درج، أو في ألبوم قصاصات، أو تثبته على باب الثلاجة.
كان ذلك الفعل الفردي — «أنا أحتفظ بهذا» — يحول قصاصة من ورق الصحف الرخيص إلى شيء أقرب للذكرى منه إلى مجرد مقال.
تمشي في شوارع لندن حيث لا تزال الصحف تطبع بكثافة، فتجد متجراً أغلق أبوابه وتتساءل متى حدث ذلك وأنت تزور المدينة كل عام؟ ستجد الجواب في الصحف الملقاة أرضاً داخله والتي مررت من تحت الباب الزجاجي. ومن العناوين تستطيع تقديرياً تخمين متى أغلق أبوابه.
محا التمرير اللانهائي تلك النهاية، ومحا معها التراتبية وترتيب الأولويات؛ فكل عنوان رقمي يتدفق بالوزن البصري ذاته، عنواناً يتلوه الآخر، داخل شريط متدفق (Feed) بلا حواف ولا حدود.
لم تعد هناك «صفحة أولى»، ولا حس جمعي مشترك حول ما كان الخبر الأبرز في يومنا، لأن الشريط الإخباري لكل قارئ يختلف في صمت عن الآخر، خاضعاً لخوارزمية تتتبع نقراتك السابقة بدلاً من رئيس تحرير يقرأ مجريات العالم.
أنت لا «تنهي» التمرير أبداً؛ بل تتوقف فحسب، غالباً لأن شيئاً آخر استدعى انتباهك، والشريط لا يكترث بتوقفك هذا — سيظل ممدداً هناك، بلا تغيير، ولا نهاية، بانتظار عودتك.
ليست هذه مجرد شكوى نوستالجية تتباكى على الحبر والورق، بل حقيقة تتجلى في الكيفية التي يعالج بها الدماغ البشري كلا الوسيطين. فقد وجد الباحثون الذين يدرسون الفهم القرائي أن الصفحة المطبوعة تمنح الدماغ موقعاً جغرافياً حسياً ثابتاً للمعلومة — فأنت تتذكر حقيقة معينة جزئياً لأنك تتذكر موضع استقرارها على الورقة: أعلى اليسار، بعد ثلاث فقرات، بجوار صورة معينة.
أما شاشة الهاتف فلا تقدم أي خريطة من هذا النوع. وكما صاغت الباحثة في مجال القراءة لورين سينغر تراكيمان: فإن التمرير يرهق الذاكرة العاملة بصورة أكبر، لعدم وجود موضع ثابت يستقر فيه أي شيء؛ فالكلمات لا تثبت في مكانها طويلاً لتتحول إلى معالم ذهنية، بل تعبر فحسب وتمضي.
تلك هي الكلفة الحقيقية لتدفق الأخبار الرقمي: فالأمر لا يتوقف عند ضخه لعناوين تفوق ما استطاعت أي صحيفة تقديمه، بل إنه ينتزع الجغرافيا الذهنية التي كانت تتيح لك تذكر أي منها في المقام الأول. كان للمقال المطبوع عنوان مكاني، صفحة، وعمود، وطية ورقية. أما العنوان الممرر فله طابع زمني (Timestamp)، سرعان ما يُدفن تحت ما يليه قبل أن تنتهي حتى من قراءة آخره.
كثيراً ما نفكر في ذلك المقال المقصوص، لا لكون المقص أداة مقدسة، بل لأن فعل القص كان «قراراً». كان بياناً يقول: من بين كل ما طُبع هذا اليوم، هذا بالتحديد هو ما يستحق الحفظ.
لا شيء في الشريط الإخباري المعاصر يطلب منك اتخاذ ذلك القرار بعد الآن؛ فأنت لا تختار ما تحتفظ به، بل تكتفي بمواصلة التمرير، والخوارزمية تقرر ما ستعرضه عليك تالياً، ومع حلول الغد لن تتذكر معظم ما قرأته اليوم، بل سيبقى معك فقط ذلك الإحساس الهلامي الغائم بأنك قرأت شيئاً ما.
كثيراً ما تُنعى الصحيفة لأسباب خاطئة — تراجع عوائد الإعلانات، وتقلص صالات التحرير، واقتصادات نموذج عمل آخذ في الاندثار. لكن ثمة خسارة أكثر هدوءاً تقبع تحت كل ذلك الركام، خسارة لا تمت بصلة لموازنات الصحافة وتمويلها، بل ترتبط كلياً بما يحدث لك بعد فراغك من القراءة.
كانت الصحيفة تمنحك نقطة توقف، وشكلاً، وطية يمكنك أن تبقيها معك؛ أما التدفق الرقمي فلا يترك لك شيئاً لتمسك به، ولذا، لا يترك لك في النهاية أي شيء لتتذكره.


