حوّل معرض أبوظبي الدولي للكتاب في نسخته الخامسة والثلاثين زيارة الجمهور إلى رحلة تمتد عبر أكثر من ألف عام، من خلال مجموعة لافتة من المخطوطات والكتب المطبوعة والوثائق والخرائط والألبومات المصورة. ولا تقتصر أهمية هذه القطع على قِدمها أو ندرتها، بل تكمن أيضاً في قدرتها على رواية تاريخ انتقال العلوم والأفكار، وتوثيق جوانب من ذاكرة الإمارات والخليج، وإظهار الصلات الثقافية التي جمعت العالم العربي بأوروبا وآسيا عبر قرون متعاقبة.
وتأتي في مقدمة المعروضات مخطوطة عربية على الرق لابن أبي زيد القيرواني، مؤرخة بنحو 975 إلى 1000 للميلاد، وتحمل المخطوطة «كتاب المكاتب»، وهو جزء من كتاب «النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات»، وتعد واحدة من أقدم الشواهد الباقية على هذا المؤلف الفقهي، كما تمثل أحد النصوص القليلة الباقية التي تتناول أحكام العتق والرق في سياقها الفقهي والتاريخي، وتحفظ أوراقها القديمة نموذجاً مهماً من ثقافة الكتاب في الغرب الإسلامي ومن الخطوط المغربية المبكرة.
وفي المجال الفقهي أيضاً، يقدم المعرض مخطوطة أندلسية على الورق من الجزء الثاني لكتاب «البرهان في أصول الفقه» لإمام الحرمين أبي المعالي عبدالملك بن عبدالله الجويني، وتعود إلى القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وتمثل المخطوطة أقدم شاهد أندلسي معروف النسبة لهذا العمل، الذي احتل مكانة مركزية في بناء نظرية أصول الفقه، وترك أثراً في المؤلفات السنية اللاحقة، ومن بينها أعمال أبي حامد الغزالي.
مخطوط إيطالي
ويمتد حضور التراث العلمي إلى مخطوط إيطالي أُنجز نحو عام 1400، ويضم تسعة نصوص في الخيمياء من العصور الوسطى، متجذرة في التقليد العلمي العربي، وتُنسب نصوص في هذه المجموعة إلى خالد بن يزيد وجابر بن حيان وأبي بكر الرازي، إلى جانب مورينوس الرومي. ومن بينها «كتاب الثلاثين كلمة» و«كتب السبعين» لجابر بن حيان، ونص عن «المذيبات الاثني عشر» لأبي بكر الرازي. وتجسد هذه القطعة حركة انتقال المؤلفات والأفكار العلمية بين اللغتين العربية واللاتينية.
ومن بدايات الطباعة الأوروبية تبرز طبعة لأعمال أفلاطون بترجمة الفيلسوف الإيطالي مارسيلو فيتشينو، صدرت في فلورنسا بين عامي 1484 و1485، وتضم الطبعة أول نموذج رياضي مطبوع للعالم في سياق مرتبط بمحاورة «تيماوس»، ويكشف الكتاب انتقال المؤلفات الفلسفية القديمة من عصر المخطوط إلى عصر الطباعة، والدور الذي أدته الطبعات الأولى في توسيع انتشار المعرفة في أوروبا.
ويحضر الخليج في كتاب برتغالي نادر لأفونسو دي ألبوكيرك، طُبعت نسخته الثانية في لشبونة سنة 1576، ويتناول الكتاب الرحلات البرتغالية المبكرة إلى الخليج والبحر الأحمر والساحل الجنوبي الشرقي للجزيرة العربية، وارتباطها بالتوسع الاستعماري البرتغالي والسيطرة على طرق تجارة التوابل، وتكمن قيمة هذه النسخة في كونها مصدراً أوروبياً مبكراً يعكس رؤية القوى البحرية إلى المنطقة في القرن السادس عشر.
ولا تنحصر المجموعة في التراثين العربي والأوروبي، إذ تضم مخطوطة يابانية فاخرة تتكون من خمس لفائف يدوية وتشتمل على 26 رسماً، وهي النسخة المصورة الوحيدة الباقية من نوع «نارا-إيه» لقصة راهب، وتجمع بين السرد الدرامي وحكايات المعجزات البوذية.
وثائق
ومن الوثائق السياسية والاجتماعية النادرة عريضة قدمها أقباط مدينة ميت غمر المصرية إلى نابليون بونابرت سنة 1799، وذَيل نابليون الوثيقة بتأييد يأمر بمعاقبة المتمردين الذين هاجموا المجتمع القبطي، قبل أن يضيف الجنرال جان باتيست كليبر توقيعه عليها، وتمثل هذه الوثيقة الثنائية اللغة أثراً مباشراً من زمن الحملة الفرنسية على مصر، وشاهداً على تفاعل جماعة محلية مع السلطة العسكرية آنذاك.
وتحضر اللغة العربية في طبعات أوروبية تعليمية وأدبية، منها «شرح الكلم النوابغ» لجار الله الزمخشري، المطبوع في ليدن بهولندا سنة 1772، ويضم الكتاب مختارات من حكم الزمخشري وأقواله البليغة، وقد حرره مستشرق هولندي وترجمه إلى اللاتينية، ويعرض المعرض أيضاً كتاب «مؤسسات اللغة العربية»، الصادر سنة 1774 لتعليم العربية لغير الناطقين بها، والذي يقدم قواعد اللغة وبنيتها وتصريفها وفق منهج تعليمي موجه إلى المتعلمين الأوروبيين، وتعكس القطعتان تنامي الاهتمام الأكاديمي باللغة العربية في أوروبا خلال القرن الثامن عشر.
وتكتسب المقتنيات المرتبطة بتاريخ الإمارات والخليج مكانة خاصة داخل المجموعة، ومن بينها لوحة مائية لسفينة «إتش إم إس كونكورد» قبالة جلفار، قرب رأس الخيمة ومضيق هرمز، يرجح أنها تعود إلى خريف 1804، وتعد على الأرجح أقدم منظر ساحلي معروف لرأس الخيمة.
وبهذا التنوع الثقافي الفريد، يضع معرض أبوظبي الدولي للكتاب أمام الزائر سجلاً متعدد اللغات والمواد والموضوعات، تتجاور فيها الشواهد لتروي تاريخ المعرفة، وتعيد وصل ذاكرة الإمارات والخليج بالسياقات الأوسع للحضارات والرحلات والطباعة والتبادل الثقافي.


