بعد نحو أربعة آلاف عام من إغلاقها، تمكن علماء من قراءة رسالة مسمارية مخبأة داخل غلاف طيني، من دون كسر القطعة الأثرية أو إتلافها، بفضل ماسح مقطعي محمول بالأشعة السينية يحمل اسم ENCI.
لطالما شكلت الأظرف الطينية التي استخدمها سكان بلاد الرافدين لحماية الألواح المسمارية مشكلة للباحثين؛ ففتح الغلاف كان يعني تدميره، بينما تركه مغلقًا يعني بقاء النص الموجود داخله مجهولًا. لكن تقنية ENCI أتاحت للباحثين فصل الغلاف عن اللوح الموجود بداخله رقميًا، ثم إعادة بناء الكتابة المسمارية بتقنية ثلاثية الأبعاد.
وطوّر فريق من الباحثين في مركز الإلكترونات الألماني وجامعة هامبورغ الجهاز ليكون قابلًا للنقل بين المتاحف، ما يسمح بفحص القطع الهشة في أماكن وجودها بدل نقلها إلى أجهزة ضخمة. واستخدم الفريق ENCI في متحف الحضارات الأناضولية في أنقرة، حيث سجل 64 عملية تصوير مقطعي لـ48 لوحًا وقطعة أخرى خلال مهمة استمرت ثلاثة أسابيع.
رسالة امرأة إلى زوجها
ومن أبرز ما كشفه الجهاز رسالة تعود إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر قبل الميلاد، كتبتها امرأة تدعى آنا-آنا إلى زوجها التاجر إنوم-آشور، الذي كان يتنقل بين مدن الأناضول لممارسة التجارة.
كانت الرسالة تتعلق بفضة أقرضها زوجها لأحد معارفه، وطلب من زوجته استردادها أثناء غيابه. لكن المدين رفض تسليم المال لها، وقال إنه لن يدفعه إلا لزوجها شخصيًا عند عودته. وفي رسالتها، شرحت آنا-آنا محاولاتها لتحصيل الدين، ثم طلبت من زوجها العودة خلال عشرة أيام.
ولا تكشف الرسالة عن خلاف مالي فحسب، بل تقدم أيضًا لمحة عن دور النساء في الأسر التجارية الآشورية القديمة، إذ تشير الدراسة إلى أن النساء كن يدِرن شؤون المنزل ويتدخلن في الأعمال التجارية أثناء سفر أزواجهن.
ولم تتوقف المفاجآت عند الرسائل. ففي غلاف طيني آخر، كشف التصوير المقطعي عن جسم بدا كأنه بذرة، وحدد عالم آثار نباتي أنها بذرة شعير يُرجح أنها من الشعير المغطى، محفوظة داخل الطين منذ آلاف السنين، وفقا لموقع"ديلي غالاكسي".
وتشير النتائج إلى أن ENCI لا يتيح قراءة النصوص المخفية فحسب، بل يمكنه أيضًا الكشف عن تفاصيل صناعة الألواح والأظرف والمواد العضوية والمعدنية المحبوسة داخلها، من دون الحاجة إلى فتح القطع الأثرية.
