ضجيج المقهى.. حين تستحوذ مجموعة واحدة على المكان

قصدنا مقهى اعتدنا شرب القهوة فيه واخترنا زاوية بعيدة عن رف تسلم الطلبات حتى لا يزعجنا صوت مكينة القهوة، وإن جادل البعض أن صوتها ليس مزعجاً بقدر ما هو جزء من هوية المكان.

يتيح لك الجلوس في زاوية بعيدة الاستمتاع بالصخب «المضبوط» للمكان والاستمتاع بالموسيقى التي تصدح عبر مكبرات الصوت فوق رؤوسنا، هذا جزء من التجربة.

لكن ما ليس جزءاً من التجربة هو ذلك الشخص الجالس خلفك، كرسيه في ظهرك، وهو يتحدث بصوت عال عن عمله ويعطي التعليمات والأوامر أو الإرشادات بالهاتف الذكي.

يتحدث بلهجة إنجليزية ثقيلة ولا خلاف على اللهجة، إنما هو صوته الذي يصم الآذان ليس بسبب حدته، لكن لأنه الصوت الخطأ في المكان الخطأ.

تنظر حولك باحثاً عن مهرب، فلا تجد مقعداً شاغراً، فتبقى مكانك محكوماً عليك التعرض لضوضاء لم تخترها. والمواضيع تجر أخرى حتى أنك في 20 دقيقة حفظت طبيعة عمله.

وأحياناً، تجلس خلفك مجموعة، واحد منها يتحدث ويطلق نكاتاً والبقية تضحك بصوت عال حتى أنك تشعر كأنك جالس في وسطهم.

لا نقول إن المقهى يجب أن يكون المكتبة العامة، ولا نقول إنه يجب أن يكون تأملياً كصالة فنية. الصخب والموسيقى جزء من هوية المقاهي خصوصاً عند ازدحامها.

المشكلة ليست في الضحك ولا أحد يذهب إلى مطعم أو مقهى وهو يتوقع الصمت الذي يجده في مكتبة.

هذه أماكن اجتماعية بطبيعتها، يلتقي فيها الأصدقاء وتتحدث العائلات ويضحك الناس ويستمتعون بوقتهم.. لكن هناك فرقاً بين أن تستمتع بالمكان، وبين أن تستحوذ عليه.

وحتى لو كنت جالساً مع مجموعة فإنك لن تستطيع سماع أحد منهم ما دامت الطاولة التي خلفك أو أمامك هيمنت على جو المقهى أو حتى المطعم.

واللافت أن أصحاب الأصوات المرتفعة لا يبدو أنهم يفعلون ذلك بقصد إزعاج أحد. على الأرجح أنهم لا يشعرون أصلاً بمدى ارتفاع أصواتهم. وهنا تكمن المشكلة.

عالم الاجتماع والباحث في شؤون المدن ريتشارد سينيت أمضى عقوداً يدرس الطريقة التي يعيش بها الغرباء معاً في الأماكن العامة.

وفي كتابه Building and Dwelling يصل إلى فكرة بسيطة جداً: أن العيش وسط الآخرين يتطلب نوعاً من التواضع، وأن يدرك الإنسان أنه «واحد بين كثيرين، يعيش في عالم لا يعكس نفسه وحده».

ربما تختصر هذه العبارة المشكلة كلها. المطعم ليس امتداداً لغرفة الجلوس في المنزل، والمقهى ليس مجلساً خاصاً أغلق أصحابه الأبواب على أنفسهم. أنت موجود في مكان يشترك فيه أشخاص لا تعرفهم، ولكل واحد منهم سبب مختلف للحضور.

هناك من جاء لمقابلة صديق لم يره منذ أشهر. وهناك من يريد ساعة هادئة بعد يوم طويل. وربما يجلس شخص في زاوية لإكمال عمل على جهازه، أو زوجان يريدان تناول العشاء والتحدث من دون أن يعرفا تفاصيل حياة المجموعة التي تجلس خلفهما.

لكن الصوت المرتفع يلغي هذه المسافات كلها. فأنت تستطيع أن تتجنب النظر إلى طاولة أخرى، لكنك لا تستطيع أن تغلق أذنيك. وهذه تحديداً إحدى غرائب الإزعاج الصوتي: أنه يفرض نفسه على الآخرين من دون أن يستأذنهم.

خبراء الإتيكيت أيضاً يفرّقون بين وجود الضوضاء الطبيعية في المقاهي وبين تجاهل راحة الآخرين.

وفي نقاش حديث حول السلوك داخل المقاهي، شددت خبيرة الإتيكيت جو هايز على أن المقاهي أماكن عامة ولا يمكن توقع الصمت فيها، فلن يأتي موظف المطعم أو مديره ليطلب من المجموعة خفض صوتها.

لكنها أكدت في الوقت نفسه أن المجاملة ومراعاة المحيط يجب أن تظلا حاضرتين، خصوصاً عندما يكون الذين من حولنا جالسين بهدوء.

هذه ربما هي القاعدة التي لا تحتاج إلى كتاب إتيكيت أصلاً.