على امتداد سواحل الإمارات، لم يكن البحر مجرد أفق مفتوح أمام الصيادين، بل كان مطبخاً ومخزوناً ومصدراً للرزق، ومن خيراته صنعت البيوت وجبات، بقي مذاقها عالقاً في ذاكرة الأجيال، وبينها الجاشع والسحناه، اللذان يختصران فصلاً من حكاية الإنسان الإماراتي مع البحر، حين كانت العومة تجفف وتحفظ بعناية، ثم تعود إلى المائدة في وصفات توارثتها الأسر جيلاً بعد جيل.
واليوم، تستعيد كلباء هذه الحكاية من قلب الساحل الشرقي، مع استعدادها لإطلاق الدورة الأولى من مهرجان كلباء للجاشع والسحناه، خلال الفترة من 24 إلى 27 سبتمبر الجاري، لتضع واحدة من مفردات المطبخ الإماراتي البحري أمام الأجيال الجديدة، وتعيد تقديمها بوصفها إرثاً غذائياً يحمل في تفاصيله تاريخ المكان وذاكرة أهله.
ولا تأتي أهمية الجاشع والسحناه من كونهما وجبتين شعبيتين فقط، بل من ارتباطهما بمرحلة كان فيها الإماراتي يعتمد على ما تمنحه البيئة، ويبتكر أساليبه الخاصة لحفظ الطعام، والاستفادة منه طوال العام، فقبل انتشار وسائل التبريد الحديثة، كان تجفيف الأسماك إحدى الوسائل التي مكنت سكان السواحل من الاحتفاظ بخيرات مواسم الصيد، وتحويلها إلى مؤونة للأسرة.
العومة أصل الحكاية
وتبدأ رحلة هذه الأطعمة من سمك العومة، الذي ارتبط بالعديد من طرق الحفظ التقليدية، حيث يجري تجهيز السمك وتجفيفه وفق الأساليب المتوارثة، ثم استخدامه في إعداد الجاشع والسحناه، فيما تمنح البهارات والمكونات التقليدية كل وصفة مذاقها الخاص.
وتختلف بعض تفاصيل التحضير من بيت إلى آخر، وهو ما جعل الوصفة الشعبية تحمل بصمة الأسرة، فالخبرة لم تكن تكتب في كتب الطبخ، بقدر ما كانت تنتقل بالمشاهدة والممارسة من الجدات والأمهات إلى الأبناء والبنات.
وهذه المعرفة الشعبية تمنح الوجبة قيمة تتجاوز مذاقها، فهي تسجل كيف تعامل المجتمع الساحلي مع موارده، وكيف استطاع حفظ الغذاء، وتقليل الهدر، والاستفادة مما يصطاده البحر في مواسمه.
طبق يحمل هوية المكان
وتكتسب الأطعمة التقليدية أهميتها من قدرتها على رواية تاريخ البيئة التي خرجت منها، فالمطبخ الإماراتي تشكل عبر تنوع البيئات بين البحر والصحراء والواحات والمناطق الجبلية، وكان لكل بيئة مكوناتها وأساليبها في إعداد الطعام.
ومن هذا التنوع جاءت الأكلات البحرية، لتكون شاهداً على حياة سكان السواحل، وعلى ارتباطهم بالصيد والرحلات البحرية والمواسم التي كانت تتحكم في تفاصيل الحياة اليومية.
ومن هنا، يحمل مهرجان كلباء للجاشع والسحناه بعداً يتجاوز الاحتفاء بالطعام، إذ يقدم فرصة لتعريف الأطفال والشباب بمراحل صيد وتجفيف سمك العومة، وطرق إعداد السحناه، ويضع أمامهم تجربة يمكن مشاهدتها وتذوقها، بدلاً من أن تبقى مجرد حكاية يسمعونها عن الماضي.
التراث يدخل السوق
وفي جانب آخر، يفتح المهرجان باباً اقتصادياً أمام الأسر المنتجة، التي تشارك بعرض منتجاتها، وبيعها مباشرة للزوار، وهو ما يمنح الوصفات التقليدية فرصة للانتقال من حدود المنزل إلى السوق.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في إمكانية تحويل الخبرة التي تمتلكها الأسر إلى مشروع صغير، يحافظ على المنتج الإماراتي، وفي الوقت نفسه يوفر له أدوات حديثة في التغليف والتسويق والوصول إلى المستهلك.
ويجمع الحدث الذي تنظمه غرفة تجارة وصناعة الشارقة، بالتعاون مع بلدية مدينة كلباء، 6 جهات حكومية، إلى جانب شركات متخصصة في الصيد ومصانع إنتاج وتجهيز الأسماك، كما يتضمن مسابقات وورش عمل وعروضاً للتوعية بالصيد المستدام، والحفاظ على المخزون السمكي، ومنصات لعرض تقنيات ومعدات وقوارب الصيد.
استطلاع البيان
وفي قراءة مجتمعية لهذا الموروث، يرى إماراتيون أن المحافظة على الأطعمة الشعبية تبدأ من استمرار حضورها داخل البيوت، وليس الاكتفاء بعرضها في المناسبات التراثية، مؤكدين أن الطعام يمكن أن يكون إحدى أبسط الوسائل وأكثرها تأثيراً في تعريف الأبناء بتاريخ مجتمعهم.
وأضاف المواطن أحمد بن عجلان، أن تحضير الجاشع يمثل بالنسبة إليه رحلة تبدأ من البحر، ولا تنتهي إلا على مائدة الأسرة، حيث يتم اختيار السمك، ثم تجهيزه وتجفيفه وحفظه قبل استخدامه في إعداد الوجبة، موضحاً أن هذه المراحل تكشف حجم الخبرة التي امتلكها الأجداد في التعامل مع خيرات البحر، والاستفادة منها دون هدر.
ومن جانبه، أكد المواطن مانع علي الأحبابي، أن القيمة التي يحملها الجاشع والسحناه، تتجاوز الطعام نفسه، لأنهما يوثقان جانباً من حياة الصياد الإماراتي، ويرى أن تعريف الأبناء بطريقة إعداد الأطعمة القديمة، يجعلهم يفهمون طبيعة الحياة التي عاشها الأجداد، وكيف صنعوا من الموارد المتاحة أمامهم غذاء يكفي الأسرة، ويحفظ لفترات طويلة.
وعبّرت المواطنة شريفة جاسم محمد، عن اعتزازها بالموروث الغذائي الإماراتي، مؤكدة أن حضارة المجتمع تظهر أيضاً في تفاصيل مطبخه، وأن الأطعمة القادمة من سواحل الإمارات، تحمل معها قصة المكان والإنسان، وترى أن تعزيز حضور الأكل الإماراتي في الفعاليات والمهرجانات، يسهم في نقله إلى الأجيال الجديدة، وتعريف الزائر بثقافة الدولة من زاوية مختلفة.
وقالت المواطنة حصة البريكي، إن المطبخ الإماراتي قادر على أن يصبح جزءاً أكبر من التجربة السياحية في الدولة، موضحة أن الزائر لا يريد مشاهدة المكان فقط، بل يبحث عن مذاقه وقصته وتجربته المحلية، وترى أن تقديم الجاشع والسحناه بطريقة تحافظ على أصالتهما، وتواكب أساليب العرض الحديثة، يمكن أن يمنح الأطعمة البحرية الإماراتية حضوراً أوسع لدى السياح.
ذاكرة لا ينبغي أن تغيب
وبين قارب يعود من رحلة صيد، ووصفة تنتقل من يد أم إلى ابنتها، يبقى الجاشع والسحناه أكثر من طعام يوضع على المائدة.
إنهما جزء من ذاكرة سواحل الإمارات، ومن قصة مجتمع تعلم أن يصنع من البحر رزقه وغذاءه، وأن يحفظ خيراته بمهارات بسيطة وفعالة.
وفي كلباء، تعود هذه الذاكرة إلى الواجهة، ليس للحنين إلى الماضي فقط، بل لتقول إن الموروث الذي عاش طويلاً داخل البيوت، قادر اليوم على أن يتحول إلى تجربة ثقافية وسياحية، ومنتج اقتصادي يحمل نكهة الإمارات إلى الأجيال، وإلى زواره.








