«ميثاق النساء»خرائط الصمت الموروث


لوحة «السيدة شالوت» لجون وليام ووترهاوس
لوحة «السيدة شالوت» لجون وليام ووترهاوس

تدخل حنين الصايغ في «ميثاق النساء» إلى منطقة روائية حساسة في المجتمع الدرزي، الذي تحكمه التقاليد، وتتحرك نساؤه داخل منظومة من الممنوعات التي تبدو أحياناً كأنها قوانين طبيعية لا تقبل النقاش، غير أن الرواية لا تكتفي بكشف هذه القيود، بل تعيد ترتيب العالم من داخل وعي المرأة التي عاشت تلك القواعد واختبرت تناقضاتها، لذلك لا يكتفي السرد بتصوير هذا المجتمع، بل ينفذ إلى وعي نسائه، ويمنح أصواتهن قدرةً على إعادة كتابة الحكاية من داخل التجربة.

وتشتغل الرواية على الذاكرة باعتبارها مادة قابلة لإعادة التأويل، فالموروث يتجلى عبر الحكايات العائلية، والطقوس والشفاهة والخوف، إذ تتقاطع الذاكرة مع الأسطورة، وتمنح الجماعة تاريخها معنى متماسكاً، لكنها تحجب في الوقت نفسه أصواتاً كثيرة لا تنسجم مع الصورة الموروثة، وتكشف الصايغ هذه الآلية من غير أن تقع في محاكمة ثقافية مباشرة، فتمنح الشخصيات حق التعقيد، وتترك التناقضات تعمل داخل النسيج السردي.

لا تقدم الرواية النساء كتلة واحدة متشابهة، ولا تجعل تحررهن شعاراً خارجياً يضاف إلى الحكاية، إنهن كائنات تتفاوت في علاقتها بالخوف، وبالجسد، وبالسلطة، وبفكرة الانتماء، بعضهن يساومن على حريتهن كي يحمين مساحة صغيرة من الحياة، وبعضهن يحولن الصمت إلى وسيلة للمقاومة، فيما تدفع أخريات كلفة التمرد كاملة. بهذه التدرجات ترفض الرواية الثنائية السهلة بين ضحية وجلاّد، وتكشف أن السلطة لا تسكن في الرجال وحدهم، بل تتوزع في اللغة والعادة والرقابة الذاتية.

ويؤدي المكان وظيفة تتجاوز الخلفية الجغرافية، القرية، والبيت، والممرات، والحدود غير المرئية بين الفضاءات، تتحول إلى خريطة للامتثال والخرق، فالبيت يحمي بقدر ما يحاصر، والقرية تمنح الانتماء بقدر ما تفرض المراقبة، والذاكرة الجماعية تصنع مأوى وتبني سجناً في الوقت نفسه، من خلال هذا التوتر يصبح المكان شريكاً في صناعة الشخصية، لا مسرحاً محايداً لأفعالها، وكل انتقال مكاني يحمل معه انتقالاً في الوعي، أو انكشافاً لطبقة كانت مستترة من الحقيقة.

وتتجسد هذه الصراعات في أمل بونمر، الراوية والبطلة التي تحكي بضمير المتكلم، فتجعل تجربتها الفردية مدخلاً إلى حياة أسرة وقرية ومجتمع، تنشأ أمل بين أب ينتمي إلى طبقة المشايخ ويعمل حداداً، وأم وأخوات أربع، داخل بيت يرسم مستقبل بناته وفق حدود عالمه، وحين يعوق الالتزام الديني طريقها إلى الجامعة الأمريكية في بيروت، تلجأ إلى الزواج بسالم، أحد أثرياء الطائفة، أملاً في أن تجعل الزواج ممراً إلى التعليم والحرية، غير أن الصفقة لا تنهي القيد، إذ تكتشف أن الخروج من سلطة الأب قد يقود إلى سلطة أخرى، وأن الحلم يحتاج إلى وعي ذاتي وعمل طويل.

وتحوّل الصايغ سيرة أمل إلى مادة سردية تتداخل فيها التجربة الفردية مع نظام المكان، فلا تُروى حياتها بوصفها اعترافاً شخصياً، بل بوصفها مساراً تتضح خلاله علاقة الفرد بالبيت والجماعة والذاكرة الموروثة، وتستمد اللغة قوتها من مزاوجة النبرة الشفوية بالتكثيف الشعري، إذ تمنح اللهجة القروية لكل شخصية إيقاعها وموضعها الاجتماعي، بينما تتيح الصور المجازية الانتقال من الوصف إلى قراءة ما تخفيه الأحداث من توتر، ولا تشرح الرواية تحولات أمل مباشرة، بل تتركها تتشكل عبر احتكاكها بالمكان وبالأصوات المحيطة، فيغدو البيت فضاءً متغيراً، وتتحول دلالته من مأوى مألوف إلى بنية تفرض حدودها، ثم تفتح إمكان إعادة النظر فيها، وبهذا يحافظ السرد على تعدد الأصوات، ويحوّل الميثاق إلى مساحة لإعادة التفكير في شكل الحياة، لا إلى صيغة نهائية تغلق أسئلتها أو تحدد مسارها الأخير.

ويأتي عنوان «ميثاق النساء» بوصفه تسمية محايدة، فهو يستدعي نصاً دينياً وذاكرة جمعية، وحين تعيد أمل سرد حياتها، لا تنقض الميثاق، بل تكشف الشقوق التي صنعتها التجربة، لذلك يصبح السرد فعلاً تفاوضياً، يستعيد للمرأة حق تسمية خوفها ومستقبلها، ولا تمنح الرواية نهاية، لأن التحول يظل مشروطاً بقدرتها على تحويل الذاكرة من قيد إلى مادة تعاد قراءتها، وهكذا تتآزر اللغة المشبعة بالحس الشعري مع تفكيك البنية الاجتماعية، فتتحول الرواية إلى فضاء تستعيد فيه المرأة حقها في فهم ذاتها وصوغ حريتها.