وفي هذا السياق، تستطلع «البيان» آراء نخبة من الكتّاب والمترجمين الذين شاركوا في النسخة الثامنة عشرة من مهرجان طيران الإمارات للآداب، الذي اختتمت فعالياته أخيراً في دبي، حيث ناقشوا كيف تحمل النصوص أصوات مدنها إلى العالم، وكيف ينجح المبدع في تحويل التجربة المحلية الصادقة إلى خطاب إنساني قادر على العبور إلى القراء في كل اللغات، مؤكدين أن الطريق إلى العالمية لا يمر عبر التنازل عن الهوية، بل عبر تعميقها وتقديمها بصدق يجعلها مفهومة ومؤثرة لدى الجميع.
وأوضح السويدي أن الكاتب هو ابن بيئته بامتياز، حيث تنعكس تفاصيل المقاهي العتيقة والأزقة الشعبية في كتاباته بشكل تلقائي، مشيراً إلى أن المبدع حين يغادر وطنه، فإنه يصطحب مدينته معه كـ«وجدان متحرك»، مؤكداً أن بعض المدن التي نزورها في رحلاتنا الاستكشافية ترفض أن تغادرنا وتظل محفورة في ذاكرتنا.
وفي إجابته عن تساؤل حول قدرة المبدع على الكتابة خارج لغة مدينته الأصلية، بيّن السويدي أن الأمر يعتمد على قدرة الروائي على التماهي مع الأمكنة الجديدة، موضحاً أن بعض الروائيين يمتلكون أدوات الانصهار في ثقافات أخرى عبر الزيارات المتكررة ومخالطة الأدباء والقراءة في آدابهم.
وشدد الدكتور فيصل السويدي على ضرورة إحياء «أدب الرحلات» في العالم العربي، معتبراً إياه الأداة الأقوى بيد الكاتب لإعطاء كل مدينة نبرتها الخاصة وتلوين تجربته فيها.
وحلل المرسي أثر البيئة العمرانية على طبيعة الكتابة، لافتاً إلى النقاط التالية: المدن الكبيرة التي تنتج نصوصاً تتميز بالكتابة السريعة والمشبعة بمشاعر القلق، والمدن الصغيرة التي تميل لإنتاج سرد أكثر تأملاً وهدوءاً، والرمزية المكانية التي تتحول خلالها الشوارع والحافلات والمقاهي في خيال الكاتب إلى علامات وجمل وإشارات لغوية.
وأوضحت رحمي، أن المكان يفرض لغته حين يرتبط بتجارب إنسانية حادة كالخوف، والحب، والخسارة، مشيرة إلى أن الكتابة الحقيقية لا تصف المكان كما هو في الواقع، بل تنقل الأثر الذي تركه في نفس الكاتب.
وحول سؤال الرحيل والاغتراب، رأت رحمي أننا لا نترك المدن خلفنا؛ فالمكان يتحول من مجرد إطار للعيش إلى مرجع داخلي نقيس به تجاربنا اللاحقة؛ إذ يترك فينا معياراً خفياً، فما يشبهه يمنحنا الألفة، وما يبتعد عنه يوقظ فينا الحذر أو الغربة.
وأوضح السح أن التفاصيل اليومية البسيطة، مثل إشارات المرور في المدن، أو طبيعة الحياة في القرى والمناطق الساحلية والجبلية، هي التي تصوغ وجدان الإنسان وتحدد نمط تعامله مع الواقع، سواء أكان ذلك من خلال الانغماس في هذا المكان أم حتى رفضه.
ولفت إلى أننا حين نغادر المدن، نأخذها معنا كوجدان متحرك.
وضرب السح مثالاً بجبران خليل جبران، الذي قضى معظم حياته في الخارج، لكن قريته ولبنانه ظلا نابضين في شعره وذاكرته.
ودعا السح إلى حالة من التناغم، حيث يحمل كل فرد ذاكرته وثقافته ليندمج بها في المدن الجديدة دون انغلاق، لافتاً إلى أن أرقى حالات الثقافة الإنسانية تكمن في تقديم نموذج للتعايش والتلاقي بدلاً من الصراع.
وفي هذا السياق، نوه أحمد السح بدولة الإمارات بصفتها أهم نموذج حضاري عالمي للسلام والتعاون.

