عبد الرحمن الحميري: الكتابة الحية والنابضة تفتح باب التأويلات

في مساحة تتأرجح بين كثافة القصيدة وسحر السرد، يقف القاص والشاعر الإماراتي عبد الرحمن الحميري حامل لقب «أمير الشعراء» لعام 2025، ليعيد صياغة العلاقة بين الشعر والقصة القصيرة، إذ لا تبدو هذه الثنائية -وفق وصفه- صراعاً بين جنسين أدبيين، بل هي رحلة متصلة لاستكشاف الذات والعالم، لا يقودها قرار مسبق بل حدس يتشكل في الظل، ويسير معه الحميري حيثما أخذه، إلى مسارات النور والفكرة المغايرة!

الفكرة تختار قالبها

وفي حديث خاص مع «البيان»، يرى الحميري أن كتابته للقصة القصيرة جداً أو الأقصوصة ما هي إلا امتداد طبيعي لتجربته، فالفكرة أحياناً تختار قالبها بنفسها، وقال: «لم أتجه للقصة القصيرة عن سابق إصرار وتعمد، فهذه الأمور تحدث عندي تلقائياً وعلى نحو غامض، تخطر لي فكرة وأقلبها في رأسي حتى تتخذ شكلاً، وأحياناً يكون هذا الشكل مطلع قصيدة، وأحياناً أخرى جملة في قصة، وأسير مع الحدس والتيار».

وعن المساحة التي تتيحها القصة لقول ما تعجز عنه القصيدة، قلب الحميري المعادلة وأجاب: «العكس هو الأصح، ما تعجز عنه القصة تتكفل به القصيدة، فالفكرة حين تستعصي على كل أشكال السرد فليس لها إلا الشعر»، وأضاف: «لأنه معنيٌ بهذا الضبابي الذي نحسه دون أن نفهمه، هو الزمن والقشعريرة والمطر الذي يهطل في ظهر الغيب».

عمق وجودي

وتحمل قصص الحميري نزوعاً فلسفياً واضحاً نحو التفاصيل العابرة ومنحها عمقاً وجودياً، وأكد تعقيباً على ذلك: «لا أتعمد توظيف الفلسفة في كتابة القصة، ولا أحب أن أثقلها بتساؤلات وجودية، إذا شعر القارئ بهذا العمق فذلك يفرحني، فالقراءة كتابة ثانية، ولكلٍ منا وعيه وتلقيه الحر، والكتابة التي تفتح باب التأويلات كتابة حية ونابضة».

وأوضح الحميري أن الحياة «عميقة بما يكفي إن تمعنت في التفاصيل والهامش»، مضيفاً: «إن كتبت القصة انطلاقاً من إنسانيتك الخالصة، فستلامس الطين الذي فينا حتى وإن كانت محض خيال».

ترويض الخوارزمية

واختار الحميري إنستغرام منصة لنشر قصصه، وهو اختيار يبدو مفارقاً لطبيعته المائلة إلى الظل والعزلة، واعترف قائلاً: «أعترف أنني عاديت «إنستغرام» وقتاً طويلاً، حتى تصالحت معه قبل سنتين تقريباً، إنستغرام بيئة صحية إن روضت خوارزمياتك على ما تشتهي، ويعطي مساحة أكبر للكاتب ليبدع في إيصال النص بما يليق من معنى».

وأضاف: «أحياناً حين أكتب استمع إلى لحنٍ معين يأخذ أفكاري إلى بُعدٍ آخر، أو تبزغ صورة في ذهني تجسد الشعور العام للنص، وحين أنشر على «إنستغرام» استطيع إضافة اللحن والصورة مرافقين للنص، ما يترك أثراً شعورياً أكبر على المتلقي، ويجعله أقرب لمخيلتي وللحالة التي مررت بها أثناء الكتابة، وفي هذا متعة كبرى».

وحول الفكرة السائدة عن القصة القصيرة جداً أنها مجرد استجابة لإيقاع العصر الرقمي، قال الحميري: «أنا مع ذكاء الكاتب في تسويق منتجه الإبداعي، لكنني ضد أن يعتنق شكلاً أدبياً لا يمثله لمجرد إرضاء السوق، فالصدق هو الأساس، ثم يأتي الشكل كيفما كان».

ويؤكد الحميري أن علاقته بالشعر والقصة هي حالة مد وجزر لا تنقطع، وقال: «الشاعر بداخلي هو الأساس، ولا ينتهي.. إنما هي فترات جزرٍ ومد، قد ينحسر الشاعر أحياناً ليفسح المجال للقاص وهكذا»، وأشار إلى تأثره في مرحلة من حياته بقصائد تشارلز بوكوفسكي، تلك التي تعتمد على الفكرة وتتمتع بسردية قريبة من القصة القصيرة جداً.

وأوضح الحميري أنه يحرص على ألا تطغى لغته الشعرية على البناء الدرامي للقصة، موضحاً: «لغة القصة سلسة ورشيقة وفيها القدر الأدنى من المجازات»، وأضاف: «إن حضر الشعر في قصصي فهو لا يحضر لغة وإنما فكرة، أي يلقي بظلاله الغامضة على السرد، فيبدو الجو العام للقصة شاعرياً».

يصف الحميري نفسه بأنه «كائن يزدهر في الظل»، وهو وصف لا يراه متعارضاً مع نشر قصصه لجمهور واسع، وقال: «لا أستطيع أن أكتب أو أبدع إن لم أعُد لعزلتي من حينٍ إلى حين، فمعظم الأفكار تخطر لي في العزلة»، مضيفاً: «في هذا العصر اللاهث، الجلوس بمفردك في مقهى لساعة يعد عزلة، والقيادة بمفردك على خطٍ سريع عزلة، وأنا أقتنص هذه السويعات قدر ما استطعت لأعود لنفسي وأقاوم المشتتات الحديثة»، وقال: «كما يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «خذوا بحظكم من العزلة»».

رسالة إلى غريب

في سؤال يستحضر مقولة ماري أوليفر: «أكتب القصائد لغريب، سيولد في بلدٍ غريب، بعد مئات السنين»، توقف الحميري طويلاً متأملاً في الأثر الذي يتمنى أن تتركه نصوصه وقصصه في روح قارئ مستقبلي لم يولد بعد، وقال: «هذا سؤال جميل، وأحب هذه المقولة وأضعها دائماً نصب عيني، أن يقرأك أحد بعد مئات السنين فهذا بحد ذاته أمر يبعث على النشوة».

وأضاف: «يكفيني أن يقشعر، وأن يحس أن أحداً من الماضي فهمه، وربما مر بمثل ما يمر به الآن، يكفيني أن أمنحه هذا التضامن والسلوان».