«الببغائية» لمريم الشناصي.. هموم إدارية بقالب روائي

باتت الرواية تشغل حيزاً مهماً من حجم الإصدارات السنوية في الإمارات، وعليه فإن المنجز الروائي الإماراتي بات يتنوع في أشكاله وأساليبه وموضوعاته، وطرق تناوله للظواهر الاجتماعية المختلفة، داخل البيوت والأماكن العامة وبيئات العمل.

ومؤخراً جاءت رواية الببغائية للكاتبة الإماراتية الدكتورة مريم الشناصي، لتضع القارئ في أجواء إشكالات العمل الإداري وتحدياته الكثيرة.

إذ تستلهم الرواية أحداثها من بيئة العمل والترهل الإداري، وتعتمد في حبكتها الدرامية على تصوير كيف تتحول بيئة العمل الناجحة إلى بيئة سامة تقتل الإبداع.

كما أنها تركز في جانب آخر على قضايا النساء في الحياة والعمل، حيث تبرز الشخصية الرئيسية في الرواية، «ندى»، الموظفة المجدة والمجتهدة، بمواجهة جمع من الموظفين المصابين بداء «الببغائية»، الذين يزحمون بيئة العمل بالأكاذيب والتزييف، والاتهامية، والتظلم، والتذمر، وزرع الدسائس، في انعكاس مباشر للنرجسية والسيكوباتية.

فيما يتحول اجتهاد «ندى» إلى مجرد سلم يستخدمه المدير العام للوصول والارتقاء والحصول على الترقية.

وتوضح الروائية الدكتورة مريم الشناصي أن هذه الرواية تتناول حكاية مؤسسة تجارية جاءت عليها فترة ركود بسبب سوء الإدارة، فعُين لها مدير جديد، في مسعى لتغيير حالها ووضعها على سكة التطور، واستعان بمستشارة لامعة، سرعان ما أضحت هدفاً لسهام موظفي الشركة يحملونها مسؤولية كل ما يقع لهم وعليهم، ورغم نجاحاتها الكبيرة في الارتقاء بالمؤسسة، إلا أن سهام الموظفين كانت أقوى أثراً، بحيث تجد الموظفة المجتهدة نفسها محاصرة، قبل أن تتم إقالتها من عملها.

وتقول الشناصي في حديثها لـ«البيان»: إن «الببغائية» رواية مهنية بالكامل، حيث تدور في وسط إداري داخل مؤسسة تجارية، ولا تتطرق إلى الحياة الاجتماعية للشخصيات خارج إطار العمل، وقد نحتت الرواية مصطلح «الببغائية» للدلالة على نوع من الممارسة السلوكية داخل بعض المؤسسات، أو الثقافة الإدارية القائمة على التكرار دون فهم، أو ترديد الأفكار، دون وعي بمضامينها.

اتكالية ونمطية

ويبرز موضوع الرواية، الذي هو العمل الإداري، من خلال الشخصيات والنماذج التي تستعرضها؛ حيث تقدم مجموعة من النماذج الاتكالية والنمطية، التي ترتهن إلى الروتين، ولا تبذل الجهد المنتظر منها؛ وبالتالي ترتكز على منطقة الراحة، مع استبعاد أي قدر من العطاء والإبداع.

وتضيء الرواية على هذا الجانب من العمل الوظيفي، وعلى من ينتهجون هذا النهج، وطرقهم في الاحتيال على الواجب، والالتفاف على مقتضيات العمل التي تفرض عليهم المبادرة والابتكار والإبداع.

وبحسب الدكتورة مريم الشناصي فإن من أهم ما تظهره الرواية هو أن أخطر أنواع الفساد، الذي يمكن أن تشهده المؤسسات الفساد الإداري، بكافة أنواعه وأنماطه، وخصوصاً حينما يأتي على هيئة ترهل إداري، أو نهج يغلِّب الروتين والاتكالية، التي تحول الموظف إلى جزء من ماكينة البيروقراطية العمياء، وتبعده عن الإنجاز، وتدفعه إلى التركيز على التحايل في عمله.

وقالت الشناصي: «تركز الرواية على أهمية استقطاب الكفاءات لمعالجة الخلل الإداري في المؤسسات؛ وتقدم ذلك في نموذجين: الأول المدير الشاب الجديد، والثاني الموظفة التي يتم استقطابها من خارج المؤسسة، لتقوم بدور رئيسي فيها.

كما تصور ما تواجهه هذه الكفاءات لدى دخولها المؤسسة من بيئة عدائية، تنتقص من أي جهد مخلص، وتبخس في مقدار وأهمية أي إنجاز.

وفي حين تستخدم الرواية مصطلح «الببغائية» لوصف السلوك الوظيفي أو الثقافة القائمة على التكرار دون فهم، تطلق جرس إنذار فتؤكد أن هذه «الببغائية» يمكن أن تتحول إلى ثقافة دائمة، ومستشرية يصعب الخلاص منها، وتبتلع كل المحاولات والكفاءات الجديدة».

تراكم وتحول

وأشارت الدكتورة مريم الشناصي إلى واحدة من الشخصيات الرئيسية في رواية «الببغائية»: «هناك شخصية السيد كوباتي، الذي يتصف بشغفه بعمله رغم صعوبته، يعمل بجد واجتهاد.

ولكن دائماً لديه مشكلة نفسية معقدة، تتجسد في رغبته في إيقاع الأذى بالآخرين، وهذه نقيصة كبيرة في العمل الإداري، لا يشفع لها الجد والاجتهاد في العمل ولا الشغف به».

وأضافت: «تقول الرواية إن تراكم مثل هذه النماذج في المؤسسات يودي بها إلى التحول إلى مؤسسات منهارة، وبيئات عمل معادية للإبداع والابتكار، بحيث تصبح في النهاية غير قادرة على أداء دورها أو مواكبة الحياة وحركة الأعمال من حولها».

وتابعت: «تزخر الرواية بالكثير من المصطلحات الإدارية، وتصور بيئة العمل بما فيها من نماذج وعلاقات عمل متباينة ومختلفة، وتصور على نحو حي طبيعة التفاعل بين مجتمع الموظفين «الببغاوات» وغيرهم ممن يرون في العمل بيئة للإنجاز والإبداع، وكيف تنتهي محاولات التطوير إلى الفشل، عبر تدجين الكفاءات المنطلقة والطموحة، وتقييدها بأطر العمل الروتينية».