تهاني العيد.. ومضات شاعرية تطوّع أدوات العصر الرقمي

من عهد رسائل الأعياد المبتورة بـ«جزء من النص مفقود»، إلى عصر منصات التواصل اللحظية، خضعت لغة تهاني العيد في الفضاء العربي لتحوّل بنيوي وإبداعي لافت.

لم تكن القفزات التقنية مجرد تسريع لوسائل نقل التحية، بل كانت إعادة صياغة لجوهر المعايدة؛ إذ تحولت معايدات العيد من قوالب جامدة ومكررة إلى نصوص رشيقة مشغولة بعناية، تدمج البلاغة الشاعرية والذكاء الرقمي.

واليوم، تكرّست تهاني العيد كشكل رفيع من أشكال التعبير الثقافي والموسمي على المنصات الرقمية، مشكّلة ظاهرة لغوية تثبت أن التطور الإبداعي للغة الفرح يتوازى تماماً مع تسارع التكنولوجيا ولا يتخلَّف عنه.

وفي هذا السياق، أكدت الشاعرة الإماراتية الهنوف محمد، في تصريح لـ«البيان»، أن صياغة رسائل التهاني بمناسبة العيد باتت تمتلك بصمة ونكهة خاصة تشبه أجواء العيد نفسه، لا سيما مع الصعود المتسارع لوسائل التواصل الفوري والإعلام الرقمي بشكل عام، مشيرة إلى أن اللغة الرسمية لم تعد هي السائدة أو الدارجة في هذه المناسبات، خاصة بين الأهل والأصدقاء؛ إذ أصبح الجميع يبحث عن صيغ ومفردات تحمل في طياتها دلالات عميقة وتعبيرات شعرية مميزة.

وأوضحت الهنوف أن تطبيق «واتساب» بات المنصة الأسرع والأكثر تفضيلاً للمعايدة في هذا العصر المتسارع، لافتة إلى أن الشعر بشقيه الفصيح والنبطي يمتلك دلالة خاصة تؤثر في ذائقة الناس، لا سيما خلال الأعياد، والمناسبات، والأفراح؛ لما للشعر من دور بارز ومحوري في تشكيل مفردات التهاني المتبادلة بين أفراد المجتمع، وما يتمتع به من عمق، وسهولة، وقدرة سريعة على الوصول المباشر إلى القلوب.

ورأت أن هذه الرسائل الرقمية عكست بشكل واضح حضور الذائقة الأدبية والشعرية في تفاصيل الحياة اليومية الإماراتية، حيث يحضر الشعر بقوة في مختلف المناسبات من أفراح وأتراح، لتظل اللهجة الإماراتية هي الحاضنة الأجمل والوعاء النابض لتفاصيل هذه الحياة اليومية وتجلياتها.

صدق وعفوية

من جانبه، أعرب الشاعر والكاتب السعودي علي السبعان عن تحفظه حيال الاعتماد الكامل على قوالب التهنئة الجاهزة والمصممة سلفاً في المناسبات الاجتماعية، مؤكداً أن الرسالة العفوية الصادقة البسيطة والقصيرة تظل دائماً أكثر دفئاً وتأثيراً من النصوص الجاهزة التي تصمم لتناسب الجميع.

وأوضح أن تطبيقات التواصل الحديثة، مثل «واتساب»، أدت دوراً إيجابياً لا يمكن إنكاره في توسيع مساحة التعبير وتبادل التهاني، فضلاً عن إسهامها في وصول الكلمة بسرعة أكبر إلى شريحة أوسع من الناس.

وأكد السبعان أنه ليس ضد تناقل الرسائل المتداولة بين الناس إذا كانت تتميز بالجمال والإبداع، مشترطاً ألا تتحول هذه النصوص إلى بديل عن الرسائل الشخصية المباشرة التي تعبّر عن مشاعر مرسلها الحقيقية، وتخاطب المتلقي بشكل شخصي.

وأشار إلى الدور المهم للشعر في تشكيل مفردات التهاني المتداولة، نظراً لما يمثله بطبيعته من وسيلة عالية الحساسية لنقل المشاعر الإنسانية وصياغتها بلغة مكثفة ومؤثرة، لافتاً إلى أن الكثير من العبارات المستعملة اليوم في الأعياد والمناسبات تضرب بجذورها في إيقاعات شعرية وصور بلاغية مستمدة من الموروث الشعري العربي والشعبي.

وحول تقييمه للتهاني الرقمية، بيّن الكاتب والشاعر السعودي أن اعتبار التهاني المتداولة عبر المنصات الرقمية شكلاً من أشكال الأدب يرتبط أساساً بمدى ما تحمله هذه التهاني من قيمة فنية وابتكار.

واستشهد السبعان بذاكرة الأدب العربي ومرويات الشعر الشعبي التي حفظت الكثير من الأبيات والمقطوعات القصيرة التي ظلت حية في الوجدان لقدرتها العالية على اختزال المشاعر والمعاني في كلمات معدودة، لافتاً إلى أن المنصات الرقمية أعادت اليوم إحياء هذا الشكل المكثف من التعبير، مستدركاً أن الفارق الحقيقي والمقياس الثابت يكمن دائماً في جودة النص وصدقه، لا في عدد كلماته أو سرعة انتشاره.

في قراءة تحليلية لواقع التواصل الاجتماعي في المناسبات السعيدة، أكد الشاعر والإعلامي البحريني إياد المريسي أن رسائل تهاني العيد، برغم الطفرة التقنية الكبيرة وسهولة التواصل عبر تطبيقات المراسلة الفورية، فقدت جزءاً كبيراً من دفئها الإنساني المعتاد.

وأشار المريسي إلى أن المعايدة في جوهرها الأصيل ليست مجرد كلمات عابرة، بل رابط وجداني عميق يحمل مشاعر المودة والتقارب بين البشر؛ ولذلك فإن تحولها إلى رسائل موحّدة تُبث إلى جميع قوائم الاتصال يُفقدها قيمتها وتأثيرها المعنوي، مشدداً على أنه لا يعتمد نهائياً على هذا النوع من المراسلات الجماعية، بل يحرص على إرسال رسائل شخصية ومخصصة بالأسماء، إيماناً منه بأن التهنئة الحقيقية هي التي تُكتب بروح خاصة تُشعر الطرف الآخر بأنه مقصود بذاته.

وعن مكانة الأدب في هذه المناسبات، رأى المريسي أن الشعر كان ولا يزال العنصر الأجمل والأكثر حضوراً في تهاني الأعياد، بل إنه، على حد وصفه، «الهدية نفسها»، وليس مجرد وسيلة للتهنئة، فحين يتلقى الإنسان أبياتاً جزلة يشعر وكأنه نال هدية ثمينة تختزل مشاعر العيد بصدق وجمال.