أكدت الفنانة التشكيلية والكاتبة الإماراتية مريم الزرعوني، أن الفن مظلة رحبة تتسع لمختلف ألوان الإبداع، ما يمكن الكاتب من مزاولة أكثر من لون دون أن يضطر إلى الاختيار بينها، رغم أنها على المستوى الشخصي تجد نفسها في الشعر على وجه التحديد.
ولفتت صاحبة «سنوات المغر» في حديثها لـ«البيان» إلى أن الرواية تطرح سؤالاً رئيسياً عن تشكل الهويات، ثم تتفرّع أسئلة أخرى تخص الفرد ذاته، موقع الآخر منه، أدوار اللغة والجغرافيا والتجارب الإنسانية بسلبها وإيجابها. وعن إبداعها في الكتابة والفن، قالت: «لا أتعامل مع الكتابة والفن بوصفهما لونين منفصلين، يمكن الاختيار بينهما، فالفن يستوعب الكتابة، فهي فنّ أيضاً، إنّما الأفكار تفرض نفسها عليّ وفقاً لعدة أمور، منها الموضوع، وكذلك المزاج، والحالة الشعورية والنفسية والمساحة المتاحة في كل فن، أحياناً الفكرة يستوعبها مخطط سريع لشخص (بورتريه)، بينما بعض الأفكار تضطرني لنصّ شعري كثيف، وثمة أفكار كبرى بما تحويه من تفاصيل والتباسات، فلا يمكن أن يستوعبها إلا وعاء مثل السرد، بين القصة والمقال والرواية». وتابعت: «أسير في مسارات تتقاطع فيها الأسئلة، الشعر هو النبض الأول، والرواية هي المساحة التي أختبر فيها هذا النبض، وأمتدّ فيه مع الزمن والحدث، أما التشكيل فيأتي متأخراً، خفيفاً، برفرفة عابرة».
المبدع الشامل
وفي ذات السياق، أعربت الزرعوني عن انبهارها بمفهوم الكاتب أو المبدع «الشامل»، الذي تتعدد في مسيرته ألوان الممارسة الإبداعية، وقالت: «لطالما أذهلتني أسطورة العالِم الموسوعي، منذ سقراط الذي بدأ بالنحت ثم اشتغل بالفلسفة، لكنّه كان مطلعاً على الرياضيات كذلك، ثم العلماء المسلمين، الفارابي الموسيقي والفيلسوف وعالم الرياضيات والطب، والحديث يطول في ذلك».
وأضافت: «أنا مولعة بهذه الفكرة رغم أنني لا أشجع أحداً عليها، فهي مغرية لكنها مضلِّلة، وتأخذ من الوقت والجهد الذي ربما يفضي إلى التشتت، إن لم يسيطر المرء على نفسه، وهذا ما أحاوله، أن أمسك بزمام الكتابة، وأجعل التشكيل والعلوم في فضول الوقت».
وبما يتعلق بعملها «سنوات المغر»، الرواية التي تبحر في عالم من القلق، وتتأمل في معنى العيش داخل تحولات كبرى؛ رأت مريم الزرعوني أن العلاقة بين الأبداع والأحداث العامة هي أمر طبيعي، وقالت: «الإنسان يتمتع بمجسّات فائقة الحساسية، والنتيجة، تعاطٍ مختلف مع معايشته يقود إلى العمل الإبداعي بمختلف أشكاله».
الأحداث العامة
وحول تجربتها في «سنوات المغر»، قالت: «في هذه الرواية سؤال رئيس، كيف تتشكل الهُويّات، وما هي محدداتها، ثم تتفرّع أسئلة أخرى تخص الفرد ذاته، موقع الآخر منه، أدوار اللغة والجغرافيا والتجارب الإنسانية بسلبها وإيجابها، ثم ما نصطلح عليه بالقدر، ودوره في تشكيل المصائر. هذه الرواية ليست تاريخية، إن أجبرت على وضعها في وعاء فهما الوعاءان الاجتماعي والاقتصادي اجتمعا ليكوّنا مساراً للأحداث، والتاريخ يحضر بوصفه أحد عناصر الرواية، فلا رواية دون زمن. وقد اخترت حقبة تنوعت فيها المهن بين الغوص والصيد والحرف الأخرى التقليدية، قبل ظهور النفط». وأضافت: «في «سنوات المغر» لم أكتب التاريخ كوقائع، بل كأثر في الجسد والذاكرة.»الأحداث العامة«، مادة خام، لكن العمل الأدبي يبدأ حين يتحول هذا الحدث تساؤلات: ماذا يفعل بنا هذا التحول؟ وكيف يعيد تشكيل وعينا بأنفسنا والعالم من حولنا، لم آتِ لأسجّل وقائع، فالرواية محض خيال، لكنّي حاولت أن أفهم الحياة وتصاريفها، كيف تصنعنا، ولعل القارئ بتأويلاته، سيمنحني احتمالات أكثر لذلك الفهم».
سؤال الهوية
وحول محاولتها استكشاف سؤال الهوية في رواية «سنوات المغر»، ومسؤولية الفرد في تكوّنها، أوضحت الزرعوني أن سؤال الهوية هو سؤال شخصي جداً، وهو ليس سؤالاً لمجرد تحديد الانتماء وحسب، بل هو سؤال وعي، لا سيما في مجتمعات أصيلة، طالتها الحداثة. ورأت أنه لا يمكن للهوية أن تكون منتجاً جاهزاً للاقتناء والاستهلاك، وقالت: على الفرد أن يعي آلية تشكّل الهويّة، ويتتبع المكوّنات ويميّز القابل للتبني من الشّاذ الملفوظ.
وأردفت: «(سنوات المغر) محاولة تتبّع فردية، لشخصيّة متخيّلة، تعيش في حوض الخليج العربي، وتشهد زمن المحدودية الاقتصادية، وزمن الطفرة، وتختبر العيش في مناطق مختلفة، ثم تحدّيات العودة إلى مسقط الرأس، ما تمثله العودة الجغرافية، هو استعادة جزء أصيل في هوية بطل الرواية، وهو المكان».
وفي حديثها حول الشخصية الرئيسة في «سنوات المغر»، التي تتشكل داخل فضاء خليجي متغير، محمّل بأسئلة الذاكرة وأثر التحولات الاجتماعية، أوضحت أن أحد دوافع اختيار الزمن والمهنة والمكان في هذه الرواية هو الإضاءة على صورة إنسان الخليج العربي الحقيقية، ثم ما تلبث هذه الشخصية أن تثبت مرونتها وبراعتها في الانخراط في الحداثة، كما سيحدث مع غريب، من عامل في منجم المغر، إلى صاحب تجارة ووكيل أقمشة مستوردة في أسواق الخليج، في كهولته.
واختتمت حديثها: «هناك جانب نفسي ظهر دون أن أتقصّده في الرواية، وهو علاقة الرجل بالمرأة، وكيف تؤثر في شخصيته وتموضعه في الحياة، ستظهر في حياة «غريب» الأم والأخت والعمة والحبيبة، وستنطبع شخصيته بهنّ جميعاً، وبتفاوت».
