لطالما نُظر إلى القافية بوصفها جداراً صلداً يحدّ من انسياب العاطفة، غير أن هذا التصوّر لا يُلزمنا الدفاع عنها في القصيدة البيتية، ولا يدعونا إلى الإفراط في تبرير حضورها أمام من يعدّها قيداً على حرية الشاعر أو عائقاً أمام تدفّق وجدانه.
إن مثل هذا الحكم قد يصدق على شاعر محدود الأدوات، لكنه لا ينطبق على الشاعر المتمكّن القادر على تحويل القيود إلى طاقة جمالية، وجعل النظام فضاء أرحب للابتكار.
ومن النماذج الإماراتية التي تجسّد هذا المعنى الشاعر الراحل سلطان بن علي العويس، الذي لم يكن مجرد ناظم يلتزم بوحدة القوافي وأوزان الخليل، بل كان مبدعاً يعرف كيف يستثمر هذه الأطر ليخلق منها موسيقى نابضة وصوراً آسرة، ليصدق عليه القول: إن الشاعر المُجيد هو من يرقص في القيود.
ويتجلى ذلك بوضوح في قصيدته التي يستهلها بقوله:
أرأيت كيف حبيبتي تتألقُ
أتظن أن شبيهها قد يُخلقُ
منذ المطلع، يضع العويس قارئه أمام افتتاحية عالية النبرة، يتجاور فيها المعنى والإيقاع في تناغم أخّاذ، فقد لجأ إلى «التصريع»، وهو توافق شطري البيت الأول في القافية، ليمنح الاستهلال قوة موسيقية تستوقف السامع وتستدرجه إلى أجواء القصيدة. وليس التصريع هنا زينة شكلية، بل أداة نفسية تمهّد لتلقي النص وتغرس في الأذن أول إشراقات الطرب.
ثم يمضي الشاعر أبعد من ذلك، حين يضاعف أثر القافية بالتزامه حرفاً يسبق الرويّ، فيما اصطلح البلاغيون بتسميته «لزوم ما لا يلزم»، فيغدو الجرس أكثر تماسكاً، وتتسع المساحة الموسيقية للنص، كأن القافية نفسها تشارك في التغني بمحاسن المحبوبة.
ويقول:
أوما رأيتَ حريرها مسترسلاً
يُغري النسيمَ فيستجيبُ ويخفقُ
هنا يرسم العويس لوحة حسية رقيقة، فالشَّعر يتحول إلى حرير منساب، والنسيم يغدو كائناً حياً يستجيب للجمال. إنها صورة تقوم على التشخيص والاستعارة، غير أن اللافت فيها أن كلمة القافية: «يخفقُ» لم تأتِ لسد فراغ وزني، بل جاءت تتمة طبيعية للصورة، إذ لا يكتمل تمايل النسيم إلا بالخفقان، ما جعل نهاية البيت ذروة دلالية وإيقاعية في آن.
وفي قوله:
حَوَرُ المها بالمقلتين ووجنةٌ
وردُ الخمائلِ بالنَّدى يتفتقُ
يستثمر الشاعر خبرة المتلقي السمعية والذوقية، فيهيئه لتوقع لفظة القافية قبل مجيئها، فالصلة المألوفة بين «الندى» و«التفتح» تجعل النفس تستشعر الكلمة قبل النطق بها، وكأن القارئ يشارك الشاعر صنع البيت، فتصبح القراءة تواطؤاً جمالياً بين المبدع والمتلقي.
ثم يواصل انسيابه قائلاً:
وتخالُ بسمتَها إذا هي أقبلتْ
نشوى أصابتْ في الهوى ما تعشقُ
ويبلغ الوصف مداه حين يخاطب قارئه قائلاً:
أنا لا ألومك إن فُتنت بحسنِها
بعضُ الجمالِ به فتونٌ مطلقُ
في هذه الخاتمة الجزئية، لا يعود الشاعر وحده هو العاشق، بل يورّط المتلقي في تجربة الافتتان نفسها، فيغدو القارئ شريكاً في الدهشة، وأسيراً لذلك الجمال.
إن ما يميز تجربة سلطان بن علي العويس هنا ليس البراعة في رسم ملامح الجمال فحسب، بل قدرته على تسخير القافية لتكون عنصراً فاعلاً في بناء المعنى، لا مجرد خاتمة صوتية للبيت، بحيث تتحوَّل القيود أجنحة تحلّق بالشاعر في سماوات الإبداع.
