لم يعد المحتوى الذي ينشر على المنصات الرقمية مجرد وسيلة للتواصل أو الترفيه، بل أصبح مساحة مؤثرة تسهم في تشكيل وعي الأجيال، وتعزيز حضور الهوية الوطنية في تفاصيل الحياة اليومية. وتقدم دبي خصوصاً، ودولة الإمارات العربية المتحدة عموماً، العديد من البرامج والمبادرات التي تدعم صنّاع المحتوى، وتصقل مواهبهم، وتغني تجاربهم، وتعرفهم بقيمة رسائلهم للجمهور. وفي هذا السياق، يرى عدد من صناع المحتوى والمؤثرين أن مسؤوليتهم اليوم تتجاوز حدود النشر والتفاعل، لتتحول إلى دور تربوي وثقافي يسهم في ترسيخ القيم وتعزيز ارتباط الأجيال بهويتهم.
وقال صانع المحتوى مروان الشحي: «إن الهوية الإماراتية لم تعد مجرد مظهر خارجي أو تفاصيل شكلية، بل منظومة قيم تتجسد في السلوك اليومي، وتعكس أخلاق المجتمع وثقافته». وأشار إلى أن الزي الوطني يعبر عن الانتماء، وأن أساليب التواصل والمحتوى تحمل بصمة المكان، إلا أن جوهر الهوية يبقى في الأخلاق التي رسخها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، والتي أصبحت معياراً يُقاس به حضور الفرد وصورته أمام الآخرين.
وأوضح أن المنصات الرقمية تحولت إلى نافذة مفتوحة على العالم، ما جعل المحتوى مساحة لإبراز القيم والرسائل التي تعكس صورة المجتمع، لافتاً إلى أن أسلوب الحديث، وطريقة التعامل مع الناس، واختيار المفردات، وحتى تفاصيل الحضور الشخصي، جميعها عناصر تسهم في تقديم نموذج يعكس الهوية الإماراتية بروحها الأصيلة وثقافتها الراسخة.
وأكد أن التمسك بالهوية لا يعني الجمود، بل القدرة على التعبير عنها بثقة ووعي، وتقديمها بأسلوب يواكب العصر ويحافظ في الوقت نفسه على القيم التي تشكلت عبر الأجيال، لتظل الأخلاق الإماراتية هي العنوان الأبرز لأي محتوى يقدمه الفرد، في الواقع أو عبر الشاشة.
مسؤولية كبيرة
من جهتها، أكدت صانعة المحتوى هاجر يوسف، أن دور الإعلاميين والمؤثرين في الخليج اليوم هو ليس فقط حضوراً على المنصات الرقمية، بل مسؤولية كبيرة تبدأ بالمسؤولية الذاتية وتمتد إلى المسؤولية الوطنية، مشيرة إلى أن الوطن يظل فوق كل اعتبار، وأن إبراز القيم الوطنية يتحقق من خلال نقل الرسائل والأهداف التي ترسخها الدولة ونشرها للعالم بصورة واعية ومسؤولة.
وأوضحت أن على صانع المحتوى، سواء كان إعلامياً أو مؤثراً، أن يركز على الرسائل الوطنية التي تعزز صورة المجتمع وتدعم استقراره، خاصة في أوقات التحديات، حيث يصبح الوضوح والالتزام بالقيم الوطنية ضرورة للحفاظ على الهوية وتعزيز الثقة.
وأضافت أن الهوية الوطنية تظهر في تفاصيل الحياة اليومية، بدءاً من اللهجة المحلية والزي الوطني، وصولاً إلى نوعية الرسائل التي يقدمها الفرد عبر محتواه، مؤكدة أن المشاركة في الحملات الوطنية ونشرها عبر منصات التواصل الاجتماعي تمثل دليلاً عملياً على الانتماء، وتعكس صورة المجتمع وثقافته أمام العالم.
رسالة ونصائح
من جانبه، أكد الكاتب وصانع المحتوى بدر الشمري، أن الموروث والعادات والقيم ليست مجرد مفاهيم نتعلمها في الصغر، بل مسؤولية مستمرة يجب نقلها إلى الأجيال عبر ما نقدمه من محتوى، مشيراً إلى أن صانع المحتوى يستطيع ترسيخ هذه القيم من خلال أسلوبه وتوجهه والنصائح التي يقدمها للمتابعين، حتى وإن جاءت بصورة غير مباشرة يفهمها المتلقي ويستوعب رسالتها.
وأوضح أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت اليوم مساحة واسعة تشبه «مجتمعاً كبيراً» يجتمع فيه الإيجابي والسلبي، ما يفرض على صناع المحتوى التمسك بهويتهم الأساسية والحفاظ على قيمهم، لافتاً إلى أن دولة الإمارات توفر التوجيه والدعم، وتحتفي بأصحاب المحتوى الذين يعكسون تماسك المجتمع بعاداته وتقاليده.
وأضاف أنه يحرص دائماً قبل نشر أي محتوى على التفكير في تأثيره على الأطفال والمتابعين، مضيفاً: «إن المسؤولية لا تتوقف عند حدود المجتمع فحسب، بل تمتد إلى المسؤولية الأخلاقية والدينية، وهو ما يدفعه إلى الاهتمام بتفاصيل المظهر والكلمة والمصطلح، بما يتوافق مع الدين والعادات والقيم، ويعكس صورة إيجابية عن الأسرة والمجتمع».
مفردات تراثية
وقالت صانعة المحتوى التراثي ندى أبو شبص إنها تحرص في محتواها على شرح المفردات التراثية باللهجة الإماراتية بطريقة مبسطة، بحيث يفهمها المتابعون من مختلف الدول العربية، مشيرة إلى أن جمهورها لا يقتصر على الإمارات فقط، بل يشمل متابعين من الخليج والعالم العربي، ما يجعل توضيح معنى الكلمة وسياق استخدامها أمراً مهماً للحفاظ عليها وتداولها بين الأجيال. وأوضحت أن إيصال المعنى الصحيح للمفردات يساعد الجيل الحالي على استخدامها في حياتهم اليومية وعدم نسيانها، مضيفة: «إن اللغة جزء أساسي من الهوية، وتبسيطها للمتابعين يسهم في تعزيز ارتباطهم بالموروث الثقافي وفهم دلالاته».
وأضافت أنها تعتمد أيضاً على إبراز الأزياء التراثية في محتواها، من خلال شرح تفاصيلها وتسمياتها القديمة وكيف تطورت مع الوقت.

