فهرسة «جمعة الماجد».. هندسة تمنح المخطوط شهادة ميلاد

في فضاء تعبق فيه رائحة الورق العتيق، وتهمس الصفحات بحكايات القرون، يخوض خبراء مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث رحلة تفكيك شيفرات الزمن بصبر الباحث وشغف العاشق، فالمخطوط هنا ليس أثراً صامتاً، بل كيان نابض تُقرأ ملامحه كما تُقرأ سيرة إنسان، وتُستعاد عبره ذاكرة الحضارة العربية والإسلامية في أنقى صورها.

ليست الفهرسة في هذا السياق إجراءً تقنياً عابراً، بل مشروع معرفة متكامل يعيد ترتيب المشهد، وينقي السرديات من أخطاء التوثيق التي تراكمت عبر العصور، ضمن عملية تدقيق عميقة تستقصي الأصول، وتُمحّص النِّسب، وتقارن الروايات، حتى يستعيد كل مخطوط اسمه الصحيح ومكانه العادل في خريطة التراث.

وبمزيج مدهش بين أصالة المخطوط ودقة الأنظمة البرمجية، ينسج المركز خيوط الاتصال بين الماضي والمستقبل. إنها رحلة تبدأ من البحث عن العنوان الأصلي المختبئ خلف العناوين المشهورة، ولا تنتهي عند حسابات التقويم المعقدة، بل تمتد لتوثيق كل سماع وقراءة وأثر لمالك قديم مرّت أصابعه يوماً فوق هذه الصفحات، ليخرج المخطوط للعالم بوثيقة تثبت هويته، وتمنحه حياة جديدة في ذاكرة المعرفة الإنسانية.

نظام برمجي

ويؤكد الدكتور محمد كامل جاد، المدير العام لمركز جمعة الماجد للثقافة والتراث، في حديثه لـ«البيان»، أن عملية الفهرسة ليست مجرد بيبليوغرافيا عادية للمخطوطات، بل هي منهجية معرفية دقيقة تهدف إلى سبر أغوار التراث المجهول وإتاحته للعالم، موضحاً أن المركز اتخذ قراراً استراتيجياً منذ بدايته ببناء نظامه البرمجي الخاص بدلاً من الاعتماد على الأنظمة التقليدية الجاهزة التي قد لا تلبي خصوصية المخطوط العربي.

ويقول: «استثمرنا في القدرات البشرية لتطوير نظام متطور يعمل على أتمتة البيانات المتكررة؛ فعندما نتعامل مع آلاف النسخ لكتاب واحد مثل «صحيح البخاري»، لا يحتاج المفهرس إلى إعادة كتابة البيانات الأساسية لكل نسخة، ما يوفر 50 % من المجهود البشري، ويسمح لنا بالتركيز على الفروق الدقيقة بين النسخ المخطوطة للكتاب الواحد».

ويشير الدكتور جاد إلى أن المركز يعتمد على نظام فهرسي ذي معايير علمية دقيقة، مدون وموثق، يراعي خصوصية المخطوط، جرى وضعه بعناية واستغرق عدداً من السنوات، مع تصميم قاعدة بيانات مفصّلة مكونة من 62 حقلاً لبيانات كل مخطوط، مضيفاً: «لا نكتفي بذكر العنوان والمؤلف، بل نوثق تاريخ النسْخ، ومكانه، ونوع الزخارف، والتملكات السابقة، وحتى السماعات والقراءات والإجازات والوقفيات التي سُجلت على المخطوط عبر القرون. وهذا النظام فُهرس من خلاله 685213 مخطوطاً حتى الآن، بنسق موحد وكأن الذي قام بها شخص واحد، بفضل القوانين والضوابط الفنية الموحدة».

خطوات دقيقة

ويستهل الدكتور طه محمد نور أبوالخير، المشرف العلمي على الوثائق والأرشيف في المركز، حديثه بمقارنة لافتة، قائلاً: «الكتاب المطبوع ترد البيانات البيبليوغرافية واضحة على غلافه وفي صفحة العنوان: العنوان، والمؤلف، ودار النشر. أما المخطوط فقد يحمل بيانات تحتاج إلى بحث وتوثيق، فقد يقوم بوضعها طالب علم حديث العهد بالتعلم أو ناسخ غير دقيق. مهمتنا هنا هي التأكد من صحة نسبة الكتاب لمؤلفه واسم المؤلف وعنوانه الموثق عبر العودة للمصادر والمراجع».

ويفصّل الدكتور طه الخطوات الدقيقة التي تمر بها عملية الفهرسة، وتشمل التمييز بين العنوان المشهور أو العنوان المدون على الغلاف أو في بداية النسخة أو نهايتها والعنوان الذي وضعه المؤلف والعنوان الموثق (مثل الفرق بين «صحيح البخاري» وعنوانه الأصلي «الجامع الصحيح»)، والتأليف المشترك في حال تعدد المؤلفين أو وجود مترجم أو مُهذّب للمخطوط، وتحديد نوع الخط (نسخ، ثلث، فارسي، كوفي... إلخ)، وكتابة بداية النسخة ونهايتها، وذكر اللغة المدوَّن بها المخطوط (العربية، الفارسية، التركية، أو الأردية)، وقيود التملكات والسماعات والإجازات والوقفيات، وحالة النسخة المادية، مع الإشارة إلى ما إذا كانت النسخة مزخرفة أو مذهبة أو مؤطرة، أو تحتوي على رسوم أو صور توضح وتخدم نص المخطوط، وتاريخ التأليف، وبيانات النسخ وتشمل (الناسخ، وتاريخ النسخ، ومكان النسخ)، وبقية بيانات الوصف المادي مثل عدد الأوراق، وعدد الأسطر (المسطرة) والمقاس.

ويوضح أن العمل يرتكز على فريق متخصص يضم 9 كوادر فنية وبحثية، يدعمهم فريق لوجستي مكون من 3 خبراء، مهمتهم الأساسية هي إدارة المستودع الرقمي، وتتمثل مسؤوليتهم في فرز المخطوطات وتجهيزها بدقة قبل توزيعها على المتخصصين، لضمان انسيابية العمل وفق أعلى معايير إدارة المستودعات الرقمية.

تقنية متطورة

«في أروقة المركز، لا تُعامَل المخطوطات القديمة كمجرد أوراق صفراء، بل ككائنات حية تستحق شهادة ميلاد توثق أدق تفاصيلها»، هكذا يصف المفهرس مروان الشاذلي محمد طبيعة عمله وعمل زملائه، الذي يمزج بين أصالة التراث ودقة التكنولوجيا.

ويوضح الشاذلي أن الفهرسة تبدأ باستخراج بيانات المخطوط الأساسية من عنوان الكتاب واسم مؤلفه، إضافة إلى بيانات النسخة والكتابة (اسم الناسخ، وتاريخ نسخه للكتاب، ونوع الخط الذي استخدمه في الكتابة)، وصولاً إلى الوصف المادي الدقيق (عدد الأوراق والسطور، وبدايات النص ونهاياته)، منوهاً بالقيمة الكامنة في تتبع «سلسلة التملكات»؛ فالمخطوط الذي مر بين يدي عالم، أو قُرئ في مدرسة علمية، أو تضمّن إجازات عن طريق السماع والقراءة، يحمل تاريخاً يتجاوز محتواه العلمي.

ويؤكد أن المركز نجح في توظيف التكنولوجيا للتغلب على تحديات التعامل مع الخطوط اليدوية الصعبة، عبر نظام تقني متطور يعتمد على قاعدة بيانات حديثة جرى تغذيتها بعدد هائل من المعلومات، ما يسمح باكتشاف المخطوط من مطلع النص، مستشهداً بنموذج لمخطوط يبدأ بعبارة «الحمد لله على إحسانه العميم»؛ إذ استطاع النظام تحديد الكتاب فور إدخال هذه العبارة، وهو «بزوغ الهلال» للإمام السيوطي، وحصر عدد النسخ المتاحة منه (37 نسخة).

بين المتن والحاشية

ووسط الصفحات القديمة التي تتنفس رحيق التاريخ في المركز، يقود المفهرس أحمد ماهر وفريقه معركة علمية دقيقة لاستنطاق المخطوطات الفارسية النادرة وإعادتها إلى سياقها المعرفي الصحيح.

ويوضح ماهر أن فهرسة المخطوط الفارسي لا تختلف في جوهرها عن المخطوط العربي؛ فكلاهما يبدأ بـ«الديباجة» التي تحمل اسم المؤلف وأسباب التأليف، وصولاً إلى «المتن» الذي يشكّل صلب العمل، مستعرضاً مجموعاً فارسياً ضخماً للمؤلف عزيز بن محمد النسفي (القرن السابع الهجري) يضم نحو 600 صفحة، ما يعكس وحدة الحضارة الإسلامية برغم تعدد لغاتها.

ويشدد على أهمية التكامل التخصصي داخل المركز لضمان الدقة، حيث تجري الاستعانة بخبراء في مختلف اللغات والحقول، مضيفاً: «هدفنا صون مجهود المؤلفين الحقيقيين؛ فالفهرسة ليست مجرد أرقام، بل تحقيق علمي يعيد للمخطوط هويته التي قد تضيع بسبب أخطاء النسخ أو الطباعة».

وحول كواليس العمل، يكشف المفهرس أحمد ماهر المنهجية العلمية الصارمة التي يتبعها المركز، وكيف يسهم هذا الجهد في تصحيح أخطاء تاريخية وقعت فيها كبرى دور النشر، مبيناً أن حاشية شهيرة مثلاً نُسبت قروناً من الزمن إلى السيد الشريف الجرجاني (740هـ - 816هـ)، وطُبعت وحُققت بناءً على هذه النسبة، إلا أن البحث بعمق في النسخ المتوافرة داخل المركز أثبت أن الكتاب نُسخ عام 734هـ، أي قبل مولد صاحبه المفترض بست سنوات.

حسابات معقدة

ويشرح المفهرس طارق عادل، جانباً من الجهود الدؤوبة التي يبذلها المركز في حفظ التراث الإنساني وفهرسته، مركّزاً على المجموعات التركية التي تشكّل جزءاً جوهرياً من مقتنيات المركز، وتخضع لعمليات فهرسة وتوثيق دقيقة.

وتعكس هذه الجهود، كما وصفها طارق عادل، رؤية المركز في أن يكون مرجعاً عالمياً لحفظ المخطوطات، خاصة تلك التي كُتبت بالأبجدية العثمانية القديمة، ما يسهم في إحياء التراث وتقديمه للأجيال القادمة بصورة منظمة وموثقة.

ويكشف عادل بعض الخصائص الفريدة في نصوص المخطوطات التركية، موضحاً أن الشعراء الأتراك كانوا يستخدمون ما يُعرف بـ«التخلص»، وهو اسم الشهرة الذي يختتم به الشاعر أبياته، مثل الشاعر الشهير «نسيمي» الذي كان اسمه الأصلي «عماد الدين»، قائلاً: «هذا التخلص هو مفتاحنا لإثبات نسبة النص إلى صاحبه».

ويلفت إلى تحدٍ معرفي يواجه مفهرسي المخطوطات التركية، وهو «التقويم الرومي أو المالي»، الذي استحدثته الدولة العثمانية في القرن الثالث عشر الهجري لضبط المواسم الزراعية والضرائب، مبيناً أن هذا التقويم يظهر في كثير من نُسخ المخطوطات، ويجري الاعتماد على حسابات معقدة في المركز لتحويل هذه التواريخ إلى التقويمين الهجري والميلادي لضمان دقة التوثيق.