تجمع الدكتورة والمترجمة والكاتبة الإماراتية لطيفة الحاج بين عوالم تبدو للوهلة الأولى متناقضة، فمن دقة الهندسة المدنية والعلوم البيئية إلى رحابة الأدب وعمق الترجمة، تقاطعات معرفية نادرة تشكل هويتها الأدبية وتمنح نصوصها عمقاً تحليلياً خاصاً، وهي تحمل رؤية واضحة للترجمة كجسر لنقل المعرفة، وتجربة ثرية في إعادة إحياء الكلاسيكيات العالمية، وطموحات راسخة لمستقبل الترجمة في المشهد الثقافي الإماراتي.
وتؤكد الدكتورة لطيفة أن الهندسة والعلوم البيئية هي تخصصاتها العلمية التي جاءت محصلة للدراسة والميول، في حين أن الأدب والترجمة يمثلان خيارات شخصية بحتة قادتها إليها ظروف وأقدار، لكنها اتجاهات لم تُفرض عليها، بل توجهت إليها حباً وشغفاً، وكانت النتيجة مزيجاً علمياً أدبياً يصب في «وعائها المعرفي» الشخصي يتأثر ويؤثر في ذلك المزيج.
نصوص منسية
وفي حديثها عن معايير اختيار النصوص، تقول الدكتورة لطيفة إن الأمر يجمع بين الاثنين معاً، من خلال البحث عن الفراغات المعرفية في المكتبة العربية، والنصوص التي تفرض نفسها، وتوضح أن بعض الانتقادات تطال توجهها نحو ترجمة الأعمال الكلاسيكية، خاصة تلك التي سبق ترجمتها، كأعمال جون شتاينبك، إذ أوضحت أن تلك الترجمات القديمة غير منصفة للنص الأصلي، فكثير منها مختصر ومبسط بلغة تناسب اليافعين والصغار، في حين أن العمل الأصلي موجه للكبار، ولأنها محبة لأدب شتاينبك، قررت أن تترجم أعماله متحرية الدقة والأمانة في نقلها للقارئ العربي.
وتضيف أنها ترجمت أيضاً قصصاً لكتاب أمريكيين وإنجليز لم تترجم أعمالهم من قبل، ووجدت فيها جمالاً وأهمية، كما تلفت إلى ظاهرة شائعة تتمثل في أن الكاتب الواحد قد تكون له إصدارات عدة، لكن ما يترجم منها إلى العربية لا يتجاوز عملاً أو اثنين بأكثر من ترجمة، فيما تُهمل أعمال أخرى قد تكون أفضل وأكثر أهمية.
وهذا تماماً ما تسعى إليه حالياً، من خلال البحث عن الأعمال التي غفلت عنها دور النشر ولم يهتم بها المترجمون.
وكثيراً ما يفرض نص ما نفسه عليها، كأعمال ستُنشر قريباً، لكنها في الغالب تقدم على الترجمة لأنها وجدت العمل مهماً وممتعاً، وبهذا يكون قد فرض نفسه عليها.
وتتفق الدكتورة لطيفة مع مقولة إن المترجم هو «القارئ الأكثر عمقاً»، وتؤكد ذلك عن تجربة شخصية، فقبل دخولها عالم الترجمة، كانت تقرأ النصوص دون التمعن في الكلمات والمرادفات الممكنة، أما بعد ترجمتها عدداً من الكتب، فقد صارت تقرأ النصوص المترجمة وتفكر في كيفية ترجمتها وما الكلمات والتعابير التي كانت ستختارها.
كما تتطرق إلى مسألة تقدم الأدب العالمي على الأدب العربي، وهي مسألة كانت تستاء منها في السابق، غير راضية عن استصغار الأدب العربي، لكن الاطلاع على النصوص القديمة والقضايا المطروحة فيها غير نظرتها، وتستشهد بقصة «ورق الحائط الأصفر» لشارلوت غيلمان التي تناولت اكتئاب ما بعد الولادة في أواخر القرن التاسع عشر، مؤكدة أن كون غيلمان امرأة تكتب عن هذا الموضوع عام 1892 هو أمر يثير الإعجاب والغيرة في آنٍ واحد.
وهذا ما تشعر به كلما قرأت نصاً قديماً يطرح موضوعاً كتب فيه الكتاب العرب متأخرين جداً، لذا فإن الهدف من نقل هذه الأعمال، إضافة إلى أهميتها الذاتية، هو تذكير شخصي وتنبيه للكتاب الآخرين بضرورة البحث عن مواضيع مختلفة وجديدة ومرتبطة بالمجتمع العربي والكتابة عنها وتوثيقها.
وتؤكد الدكتورة لطيفة أن الأدب العالمي أكثر نضجاً، وأن الأساليب المتبعة لدى كتّابه مختلفة وتنطوي على الكثير من التجريب، وتضرب مثلاً برواية «اشتعال» لشتاينبك التي صنفها مؤلفها رواية مسرحية أو مسرحية روائية، في حين جاءت الترجمة العربية القديمة لها كمسرحية خالصة، كأن العقل العربي لا يستوعب دمج أكثر من نمط أدبي، أو لا يؤمن بالتجريب الذي قدمه شتاينبك في خمسينيات القرن الماضي، وتضيف أن غيلمان التي كتبت عن اكتئاب ما بعد الولادة عام 1892، وتنبأت بملامح المجتمع الغربي في روايتها «تحريك الجبل» عام 1911، تمثل نموذجاً واضحاً لأدب يمتع ويدهش القارئ أياً كانت خلفيته.
بين الدعم والاستيراد
وتحدثت الدكتورة لطيفة عن المشهد الحالي للترجمة في الإمارات، مشيرة إلى أن الدولة تدعم مشاريع الترجمة وتقدم منحاً لدور النشر لدعمها، وأن معرض الشارقة للناشرين يستقبل سنوياً عشرات دور النشر العالمية، لافتة إلى أن المشهد في الإمارات يحتاج إلى المزيد من الاستثمار في المترجم الإماراتي، والدعم لدور النشر الإماراتية للعمل على ترجمة الأعمال العالمية ونشرها، فضلاً عن نقل الأدب الإماراتي إلى القارئ الأجنبي.
وتشير إلى أن قطاع الترجمة يحتاج إلى عدد أكبر من المترجمين الإماراتيين لكسر مرحلة الاستيراد الثقافي، وهذا يتطلب إعادة النظر في طرق وقنوات ومشاريع دعم الترجمة والأدب عموماً، ومنح الكاتب والمترجم والأدب الإماراتي بشكل عام دعماً أكبر.
وتحلم الدكتورة لطيفة ببروز أسماء إماراتية جديدة وجادة في الكتابة والترجمة، وقالت إنها اكتشفت مترجمة إماراتية تترجم من الفرنسية والألمانية وستُنشر ترجماتها قريباً.
وترى أنه مثلما نسعى لاكتشاف المواهب في الرياضة والفنون، يجب أن ندعم الكتاب والمترجمين الجادين بالقدر ذاته، وتطرح رؤية حسابية بسيطة، لكنها بالغة الدلالة، وتقول: «لو خرج مترجم إماراتي واحد كل عام وترجم ثلاثة كتب سنوياً، فخلال عشر سنوات سيكون لدينا أكثر من 30 كتاباً. وهؤلاء المترجمون قد يجربون التأليف ويتجهون لكتابة القصة أو الرواية أو الشعر».
وتتساءل: «كم ستكون إسهاماتهم في الأدب الإماراتي ونقل الأدب العالمي؟».
شغف وأمانة
كما توجّه الدكتورة لطيفة نصيحة صريحة لكل من يرى في الترجمة شغفاً ووعاء للمعرفة مفادها: على كل شخص أن يحاول ويجرب، فمع الاستمرار والتعلم والبحث وقراءة المزيد من النصوص والعمل عليها، ستصغر التحديات وتزول، وتستشهد بتجربتها الشخصية، فهي لم تدرس الترجمة أكاديمياً، لكنها امتلكت الأدوات وحاولت توظيفها.
وتختتم بإيمانها الراسخ بأن الإنسان إن امتلك الشغف والرغبة وأخلاقيات التعامل مع النصوص الأصلية، فسيتمكن من تقديم أعمال تستحق القراءة وتمتع القارئ.