أصحاب الهمم في الإمارات.. حضور إبداعي يصنع الأثر

تمثل الفنون الحديثة والمعاصرة، وكذلك تعلم وإجادة اللغات الحية، بوابة مرور إجبارية نحو المستقبل والإسهام الحضاري، ولهذا فإن دولة الإمارات العربية المتحدة عبر مختلف المؤسسات التعليمية الحديثة تدفع بقوة نحو إيجاد جيل ممتلك لهذه الأدوات، متمكن من استخدامها واستثمارها.

وفي الفترة الأخيرة، لوحظ أن كثيراً من أبناء الوطن، ومنهم مَن هو مِن أصحاب الهمم، استفادوا من هذا التوجه، وهم اليوم يبلون بلاء حسناً في الحياة الفنية والثقافية، وفي التعامل الاحترافي مع اللغات الأجنبية.

وهنا تبرز تجربة عبدالله الشحي، طالب بكالوريوس في إدارة الأعمال واللغات الأجنبية من جامعة السوربون أبوظبي، ومريم الزعابي، خريجة إماراتية حاصلة على شهادة البكالوريوس في التخصص نفسه من الجامعة ذاتها؛ إذ كوّن كل واحد منهما تجربته الخاصة، باجتهاد وتميز.

عبد الله الشحي ومريم الزعابي استطاعا التغلب على مصاعب الدراسة، وتحديات إجادة اللغات الأجنبية، بل واستخدامها احترافياً، بعد أن شاءت الأقدار أن يكون كلاهما من أصحاب الهمم، فدشنا مسيرتين ملهمتين لأجيال من الشباب وطلبة الجامعات وأصحاب المواهب.

تجربة شاملة

جمعت تجربة عبد الله الشحي بين الغناء والكتابة والرسم وتصميم الأزياء، في تجربة شاملة، تعكس أهمية استراتيجيات الدولة، بما يتعلق بإعداد وتهيئة الأجيال الجديدة للمستقبل.

وقال عبد الله الشحي عن تجربته: «أحب الغناء والوقوف على المسرح، وكان هذا حلمي منذ الطفولة. انطلقت إلى تحقيق هذا الحلم، مبتدئاً من واحد من الأنشطة الموسيقية، التي تقدمها جامعة السوربون أبوظبي، حيث اكتشفت قدرتي على الغناء. حدث ذلك في أواخر نوفمبر 2023، واكتشفت أن لدي صوت «سوبرانو»، ومنذ ذلك الحين تطور صوتي مع استكشافي أنماطاً وأساليب موسيقية متنوعة».

وتابع: «عملت على تطوير مهاراتي، من خلال المشاركة المنتظمة في الأنشطة الموسيقية في الجامعة، وحضور جلسات عدة أسبوعياً، مع التركيز على الغناء باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، كما استفدت من مشاركتي في الفعاليات الثقافية في الجامعة، حيث قدمت أغاني إماراتية وعالمية باللغات الفرنسية والإنجليزية».

ويرى الشحي، الذي يمتلك مواهب أخرى مثل الكتابة والرسم وتصميم الأزياء، أن كونه من أصحاب الهمم، هو ظرف علمه الكثير، وأغنى رحلته الإبداعية بالصبر والإصرار.

ويؤمن بأن موهبته ستنمو بشكل أكبر مع التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي والإعلام، ويقول: «دولة الإمارات تزخر بالمواهب، ومع دعم قيادتنا وثقتهم، أشعر بثقة كبيرة بقدرتي على إثبات نفسي وتحقيق المزيد، أما نصيحتي للآخرين، وخصوصاً من أصحاب الهمم، فهي: أنتم لستم وحدكم. أنتم مرئيون ومحل تقدير».

مستويات أعلى

من جهتها تحدثت مريم الزعابي عن تعلم اللغات وإجادة الترجمة، وقالت: «بالنسبة لي كانت اللغات دائماً جزءاً أساسياً من اهتماماتي، إلا أن الترجمة من لغة إلى أخرى كانت الأقرب إلى ميولي. منذ صغري كنت أحرص على تعلم لغة جديدة بشكل أو بآخر، لذلك جاء اختياري لدراسة اللغة الفرنسية والألمانية امتداداً طبيعياً لهذا الشغف، الذي قادني إلى التخصص في إدارة الأعمال واللغات الأجنبية. ونجحت في الارتقاء بشغفي إلى مستويات أعلى حينما خضت تجربة ترجمة مجموعة القصص القصيرة «Les rêves»، وكنت حينها في السنة الأولى من دراستي الجامعية، وكان هذا المشروع كبير نسبياً في تلك المرحلة. ورغم ذلك ومعرفتي بأن تمكني وإجادتي للغة الفرنسية لم تكن مكتملة آنذاك، إلا أنني خضت هذه التجربة، التي وضعتني على الطريق الذي لطالما أردته».

وأوضحت الزعابي أهمية نشأتها في دولة الإمارات وتأثير ذلك على مسيرتها، وقالت: «نشأتي في دولة الإمارات منحتني أساساً قوياً في اللغتين العربية والإنجليزية، أما بالنسبة للفرنسية والألمانية، فقد تطلب اكتسابهما وقتاً وجهداً مستمرين».

رحلة وتحديات

وحول التحديات التي واجهتا خلال رحلتها الأكاديمية والشخصية قالت مريم الزعابي: «بصفتي من أصحاب الهمم لم أواجه تحديات تُذكر من ناحية كوني طالبة جامعية، حيث تم توفير التسهيلات اللازمة لضمان تجربة تعليمية سلسة. وقد كانت تجربة الدراسة في الجامعة مميزة على مختلف المستويات، فقد كنت جزءاً من مجتمع جامعي متكامل، يتميز بالاحتواء والدعم، كما أن الحرم الجامعي كان مهيئاً ومجهزاً بشكل يلبي احتياجات مختلف الطلبة. ومع ذلك شكلت طبيعة الدراسة تحدياً في بعض الأحيان، خصوصاً أن أغلبية المواد كانت تدرس باللغة الفرنسية، وفي حالتي أيضاً باللغة الألمانية. التأقلم مع هذا النظام استغرق بعض الوقت في البداية، لكنه كان تجربة مجزية أسهمت في تطوير مهاراتي الأكاديمية واللغوية».

تجارب وطموحات

في سياق الحديث عن رحلتها تتحدث مريم الزعابي عن مشاركتها وتمثيلها الجامعة في قمة بيئات العمل الشاملة، وقالت: «كانت المشاركة في قمة بيئات العمل الشاملة تجربة جديدة بالنسبة لي، فقد كنت أعتقد سابقاً أن الشمولية أمر بديهي في جميع البيئات، وقد أسهمت هذه التجربة في توسيع مداركي، وأدركت من خلالها أن الواقع يختلف من شخص لآخر، وأن هناك تفاوتاً في مستوى الشمولية المتاح للأفراد». وفي السياق ذاته تشير مريم الزعابي إلى مشاركتها في معرض أبوظبي الدولي للكتاب عام 2023، حيث تحدثت عن تجربتها في ترجمة مجموعة القصص القصيرة من الفرنسية إلى العربية، التي ترى أنها كانت تجربة ثرية على الصعيدين المهني والشخصي.

وقالت عن طموحاتها المستقبلية، ودورها الحالي في المجتمع: «أعمل حالياً كوني أخصائية تجربة متحفية في أحد متاحف أبوظبي، وهو دور يتيح لي الجمع بين شغفي باللغات والثقافة والتفاعل مع الجمهور، كما أسعى من خلاله إلى توظيف مهاراتي في الترجمة والتواصل لجعل التجارب الثقافية أكثر شمولاً وإتاحة لمختلف الفئات. وبصفتي من أصحاب الهمم أطمح إلى الإسهام في تطوير بيئات أكثر شمولية، تعكس تنوع المجتمع وتدعم مشاركة الجميع فيه».