في مفارقة نفسية مثيرة، يختار جيل بأكمله أن يشتري «الخوف» طوعاً، فبينما يضج الواقع بتحديات متسارعة، يجد قطاع واسع من الشباب ملاذهم بين دفتي رواية رعب، إذ لم يعد أدب الرعب مجرد حكايات عن الأشباح، بل تحوّل إلى ظاهرة ثقافية تتصدر المبيعات، وتخلق مجتمعات قراءة تبحث عن جرعتها من «أدرينالين الورق»، وهذا الإقبال يطرح تساؤلات حول سيكولوجية الجيل الحالي، فهل يمثل الغوص في عوالم الرعب محاولة للهروب من واقع معقد؟ أم أن هذا الجيل الذي تشبع بالمؤثرات البصرية، ولا يزال يجد في الكلمة المكتوبة سحراً قادراً على استفزاز أعمق مخاوفه؟
شكل جديد
ترى الكاتبة نوف الحضرمي أن الخوف اتخذ شكلاً جديداً لدى الشاب المعاصر، إذ بات يجد في روايات الرعب مساحة آمنة يختبر فيها القلق دون أن يكون مهدداً فعلياً، ما يمنحه متعة نفسية تتيح له الهروب المؤقت من ضغوط الواقع وتفريغ مشاعره السلبية بطريقة غير مباشرة. وتؤكد أن هذه الروايات تثير فضول الشاب وتدفعه للتحليل، لتظل تجربة «الخوف الآمن» شعوراً فريداً يواجه فيه الإنسان مخاوفه دون أن يتأذى منها.
وتلاحظ الحضرمي اختلافاً واضحاً في نوعية المخاوف التي تجذب الشباب اليوم مقارنة بالأجيال السابقة؛ فلم تعد مقتصرة على الظواهر الخارقة والقصص التقليدية، بل أصبحت أكثر ارتباطاً بالعالم الداخلي للإنسان، متجسدة في الهواجس والضغوط والصراعات النفسية، ما يجعلها أكثر تأثيراً لأنها «لا تُقرأ فقط، بل تُشعَر به».
أما عن الخط الفاصل بين الرعب الممتع والتأثير السلبي، فتراه الحضرمي في مدى وعي القارئ وقدرته على التفريق بين الخيال والواقع، مشيرة إلى أن الخطورة تبدأ حين يتحول الخوف من تجربة مؤقتة إلى حالة يعيشها القارئ على شكل قلق مستمر.
تقنيات سردية
وتخالف الكاتبة آلاء بسام الرأي القائل إن إيقاع العصر فرض تقنيات سردية بعينها على كتاب الرعب، مؤكدة أن المشهد القرائي أكثر تنوعاً مما يُظن؛ إذ يتوزع القراء بين من يفضل الفصول القصيرة ومن يميل إلى الروايات الدسمة. وترى أن المعادلة تعود إلى الكاتب نفسه وقدرته على التفرد في قصته وشد القارئ إليها، مع إدراكه أن الأذواق لا يصح اختزالها في نمط واحد.
وعن بناء الحبكة المرعبة، تضع آلاء احترام عقل القارئ في صدارة الأولويات، داعية إلى تطوير الشخصيات وفق خط تصاعدي متماسك مع الحفاظ على الغموض والمفاجآت، مستعينة بالقصص الواقعية عامل جذب، ومنبهة إلى أهمية وضع معاني المفردات في الهوامش حتى لا ينقطع القارئ عن النص.
وفيما يخص منصات التواصل الاجتماعي ومجتمعات القراءة، تُقر بدورها في الجمع بين الكاتب والقارئ وتعريف الجمهور بالإصدارات الجديدة، وتُثني على الجهود الشبابية في نوادي القراءة والأمسيات الثقافية، مع تأكيدها أن معارض الكتاب تبقى المكان الأساسي الجامع لمحبي القراءة.
لا ارتباط
ولا يرى الكاتب عمر الحمادي ارتباطاً مباشراً بين الهوية المحلية وأدب الرعب بصورته الراهنة، معتبراً إياه في جوهره نتاج تأثير غربي أَسس لهذا النوع الأدبي وصاغ ملامحه، غير أنه يُقر بأن بعض الكُتاب في المنطقة بدأوا محاولات جادة لصناعة هوية خاصة، مؤكداً أن التحدي الحقيقي يكمن في خلق رعب ينبع من البيئة المحلية وتجاربها الحياتية وليس تقليداً للنماذج القائمة، وأن الرعب الناجح هو ما يحرك شعور القارئ ويزرع داخله القلق، لا ما يكتفي بتقديم مشاهد مخيفة.
ويرى الحمادي أن نجاح أي عمل لا يعتمد على نوع الأدب بقدر ما يعتمد على قوة القصة وطريقة سردها، مشيراً إلى أن الفترة الأخيرة شهدت ظهور جمهور يبحث عن أعمال تمزج بين الخيال والرعب أو تستند إلى التاريخ والجرائم النفسية، ويعترف بأن الرعب الغربي يبقى مرجعاً مهماً، لكن التميز الحقيقي يتجلى في تقديم أسلوب يحمل بصمة الكاتب ويبتعد عن التكرار.
أما الحكايات الشعبية وقصص الجن، فيرى الحمادي أنها بلغت مرحلة من التشبع ولم تعد كافية وحدها لاستقطاب القارئ، مؤكداً أن الأهم هو خلق عوالم جديدة تنبثق منها أساطير مختلفة تُروى للأجيال القادمة وكأنها حقائق لم تكتشف بعد، ويختم بأن الجيل الحالي قد شاهد كل شيء تقريباً، لذا فإن التحدي لم يعد في كمية الخوف بل في نوعه، ذلك القلق الداخلي الذي تخلقه الفكرة والحبكة، حتى يصل القارئ إلى لحظة يتساءل فيها: «هل هذا خيال... أم أنني داخل القصة؟».
الرعب الحقيقي
يرفض الكاتب عبدالله الكعبي وصف أدب الرعب بـ«الموضة العابرة»، غير أنه لا يُخفي قلقه من توظيفه بطريقة خاطئة، فهو يُميز بوضوح بين نصوص تعتمد على «الصدمة السريعة» بدلاً من الخوف العميق، وهو ما يوهم البعض بأنه مجرد استهلاك سريع كفيلم يُنسى بعد نهايته، وبين كتاب بدأوا يدركون أن الرعب الحقيقي لا يكمن في الوحش، بل في الإنسان حين ينهار بصمت، في الذاكرة حين تخون، وفي الباب الذي لا يُفتح لأن خلفه حقيقة لا تُحتمل، ويُلخص الكعبي المشهد بأن أدب الرعب اليوم ينقسم إلى طريقين: طريق سريع يُقرأ ويُنسى، وطريق مظلم من يدخله لا يخرج كما كان.
وعن مستقبل هذا الأدب في ظل المتغيرات الراهنة، يرى الكعبي أن الرعب لا يتغير بل يُبدل أقنعته فحسب، فإن كان الخوف في الماضي من الأشباح، فإن خوف اليوم من شيء لا يُرى ولا يُفهم، ويرى أن الذكاء الاصطناعي ليس مخيفاً لأنه آلة، بل لأنه قد يصبح أكثر فهماً للإنسان من نفسه، ويتوقع أن تهيمن على الرعب القادم موضوعات فقدان الهوية والتلاشي الرقمي والوعي الاصطناعي الذي يشعر وربما ينتقم، وصولاً إلى الإنسان الذي لم يعد يعرف إن كان حياً أم مجرد نسخة، ويختزل الكعبي هذا التحول في جملة تحمل أثراً بلاغياً: «الرعب القادم لن يطاردك من الظلام، بل سيجلس معك ويبتسم».
أما نصيحته للكُتاب الشباب الراغبين في احتراف هذا المجال، فتنبثق من فلسفة شخصية عميقة: «لا تكتب لتُخيف، اكتب لأنك خائف، فالرعب الذي لا يخرج من داخلك لن يصل لأحد»، ويدعوهم إلى التخلي عن البحث عن «الفكرة المرعبة» والتنقيب بدلاً من ذلك في حقيقة تؤلم، أو ذكرى، أو سؤال لا إجابة له... ثم الكتابة.