الثقافة الإماراتية..مناهل إبداع تحصّن التلاحم الوطني

في زمنٍ تتسارع فيه التحولات وتتزاحم فيه التحديات، تبرز الثقافة لا بوصفها ترفاً معرفياً، بل كقوة خفية تعيد ترتيب الوعي، وتمنح المجتمعات القدرة على الثبات. وفي دولة الإمارات، حيث يتقاطع التاريخ مع الحداثة، يتحول الموروث الإبداعي والفكري إلى ركيزة صلبة للتماسك، ليؤكد أن الهوية ليست مجرد ذاكرة، بل طاقة متجددة تصنع الحاضر وتحمي المستقبل.

من هنا، يتبدّى دور الثقافة كصمام أمان مجتمعي، لا يكتفي بتعزيز الانتماء، بل يرسّخ منظومة قيم قادرة على التغلب على التحديات وتوجيهها نحو مسارات أكثر وعياً واتزاناً. فبين الكلمة والفن، وبين الفكرة والممارسة، تتشكل ملامح مجتمع يستمد قوته من إرثه، ويعيد صياغته بروح معاصرة، ليحافظ على تلاحمه الوطني ويواصل مسيرته بثقة، مهما تعاظمت التحديات.

رشد اجتماعي

وأكد الشاعر والكاتب سالم الزمر، خلال حديثه لـ«البيان»، أهمية الدور الجوهري والمفصلي الذي تنهض به الثقافة بوصفها عنصراً معرفياً مؤثراً في منظومة الوعي الاجتماعي، مشدداً على أن الثقافة الحقيقية هي مزيج من المعارف التي تتشابك لتشكل مادة الوعي لدى الفرد والمجتمع.

وأوضح الزمر أن الوعي يتشكل من خلال إدراك المثقف للمواد المعرفية وإعادة بثها في الوعي العام، لتتحول إلى إشارات ودلالات تصنع رشداً اجتماعياً يحمي مقدرات المجتمع.

وأشار إلى أن الموروث الإبداعي والفكري يعد ركيزة أساسية في تشكيل الفكر، داعياً إلى استلهام القيم الإنسانية والأخلاقية مثل: الوفاء وحب الوطن والدفاع عنه، والاعتصام براية الوحدة الوطنية والقيم الدينية الراسخة، والتمسك بشرف الكلمة ونزاهة الأدب ومصداقية المفكر.

وشدد الزمر على ضرورة تحلي المثقف بهذه القيم ليكون مؤثراً في المجتمع، خاصة في الأوقات العصيبة، مستشهداً في هذا الصدد ببيت شعري للأديب السعودي غازي القصيبي يعكس عزة الكاتب وترفعه عن الهوان: «وإنْ مضيتُ فقُولي لم يكنْ بَطَلاً.. لكنه لم يقبّل جبهةَ العارِ».

ووصف الثقافة التي تخلو من المرجعيات الأخلاقية والإنسانية والدينية بأنها «ثقافة هشة» لا تصمد أمام الأزمات، ويكون أثرها سيئاً وتخريبياً على المجتمع لافتقارها إلى الرواسخ النفسية، مختتماً حديثه بالتركيز على الدور المهم للمؤسسات الثقافية في نشر الوعي المؤسس للوحدة الوطنية وحب الوطن، ودمج أفراد المجتمع تحت راية واحدة بعيداً عن الأفكار المغرضة، ومحاربة الشائعات.

قيم مشتركة

ولفتت الفنانة التشكيلية فاطمة الحمادي، إلى قدرة الثقافة العالية على ترسيخ القيم المشتركة وتعزيز الهوية الوطنية الجامعة بين أفراد المجتمع، مؤكدةً الدور المحوري الذي تؤديه باعتبارها صمام أمان في مواجهة الأزمات.

وأوضحت الحمادي أن أهمية الثقافة تبرز بشكل جلي في أوقات الأزمات؛ إذ تتحول إلى وسيلة فعالة لاحتواء التحديات عبر نشر الوعي وتعزيز روح التضامن، مشيرةً إلى أن التركيز على القصص الإنسانية المشتركة يسهم في تعزيز تماسك المجتمع، وأن الثقافة تمنح الأفراد مساحة للتعبير والتفريغ الإيجابي.

وشددت الحمادي على ثراء الإرث الثقافي الإماراتي القائم على قيم التعايش والتسامح والانفتاح، داعيةً إلى استلهام الموروث من خلال إعادة تقديمه بأساليب معاصرة تربط الأجيال الجديدة بتاريخها عبر الفنون والأدب، وتوظيف الإرث كأداة لبناء وعي جماعي قادر على مواجهة التحديات بروح متماسكة ومتفائلة.

وحول سبل تعزيز الاستقرار المجتمعي، حددت الفنانة فاطمة الحمادي أدواراً متكاملة لثلاث جهات رئيسة: المؤسسات الثقافية التي رأت أنها مطالَبة بضرورة توفير منصات للحوار والإبداع وتعزيز المشاركة المجتمعية، والمثقفين الذين أكدت أهمية دورهم الأساسي في توجيه الخطاب الفكري نحو القيم الإنسانية ونشر الوعي النقدي البنّاء، إضافةً إلى الإعلام الذي يمتلك دوراً مكملاً في تسليط الضوء على المبادرات الإيجابية وتقديم محتوى يعزز الانتماء والقدرة على التكيف مع المتغيرات.

إحساس عميق

من جانبه، أوضح الكاتب محسن سليمان، أن الدور المحوري للمثقف يتضاعف خلال أوقات الأزمات؛ إذ يجب عليه تعميق حسّه الثقافي والحفاظ على معايير المواطنة والولاء وقيمها، باعتبارها الركيزة الأساسية لتنمية المجتمع وتشكيل هويته وتعزيز تماسكه، مؤكداً أن المثقف يجب أن يكون رسولاً للإيجابية، يعمل على تهدئة النفوس وبث روح التعاون والتآلف، لا سيما في المحيط السكني، مع الحرص على تحفيز الإبداع والابتكار لخلق بيئة مجتمعية صالحة.

وشدد على أن الثقافة تمثل الدرع الواقية للمجتمع، ما يفرض على المشتغلين بها استشعار الحس الوطني ورفع الروح المعنوية من خلال إحياء العادات الثقافية الأصيلة، مشيراً إلى أهمية نشر قيم التسامح والتعايش بين المواطن والمقيم، وتوجيه السلوك المجتمعي نحو التشارك، وهو ما يفضي في النهاية إلى تحقيق الاستقرار المجتمعي المنشود.

وقال محسن سليمان إن مواجهة التحديات تتطلب استلهام قيم الموروث الإبداعي والفكري التي تعد من المبادئ الأساسية في مجتمع دولة الإمارات، لافتاً إلى أن هذا الموروث الغني يرسّخ قيم التسامح كإرث حضاري عريق.

وأضاف أن النموذج الإماراتي التاريخي في الانفتاح على الآخر واحتضانه يمثل مرجعية ملهمة، خاصة أن الدولة نجحت في احتضان أكثر من 200 جنسية تعيش جميعها في إطار من الاحترام المتبادل، منوهاً بضرورة تضافر الجهود بين المؤسسات الثقافية والمثقفين والإعلام لترسيخ القيم التي تعزز الاستقرار وتكيف أنماط التعايش مع مختلف الظروف.

وأشار إلى الدور الجوهري للأسرة بوصفها النواة الأولى لتحقيق الانسجام.

الأصالة والتسامح والتلاحم

وأكد الفنان التشكيلي خليل عبدالواحد، أن القيم والعادات والتقاليد الأصيلة في دولة الإمارات تمثل صمام أمان حقيقياً، وأن لها دوراً محورياً في تعزيز التماسك والترابط المجتمعي، موضحاً أن المجتمع الإماراتي، بمختلف أطيافه وجالياته، يعيش حالة من التكاتف والتعاون الاستثنائي، وهي قيم تبرز بوضوح أكبر في أوقات التحديات، حيث يشعر الجميع بمسؤولية مشتركة تجاه الوطن وحمايته واستقراره.

وأشار عبدالواحد إلى أن الثقافة الإماراتية غنية بقيم الكرم، والأصالة، والتسامح، والتلاحم، وهي عناصر أساسية أسهمت في انفتاح المجتمع على الثقافات الأخرى مع الحفاظ على هويته الوطنية، مشدداً على ضرورة نقل هذا الموروث إلى الأجيال الناشئة عبر القنوات التعليمية والمدارس، وأن تعزيز هذه النقاط في نفوس الشباب يضمن استمرارية الروح الوطنية والتلاحم المجتمعي في المستقبل.

وفي مقارنة بين الماضي والحاضر، قال الفنان خليل عبدالواحد إن المجتمع الإماراتي قام منذ البداية على مبدأ التلاحم والترابط القوي، مبيناً أنه برغم بساطة العيش في الماضي وصغر حجم المجتمع آنذاك، فإن «الفزعة» ومساندة الناس بعضهم بعضاً والتكاتف المجتمعي كانت المحرك الأساسي.

وأضاف: «واليوم، في ظل الرخاء والأمن اللذين توفرهما الدولة، فإن هذا الموروث تطور ليصبح أكثر قوة وتنظيماً. في الماضي، كان الجميع يكمل الآخر، واليوم هذا المبدأ يظهر بشكل واضح، ما يعزز الشعور بالأمان والاستقرار النفسي والاجتماعي لدى الجميع»، مؤكداً أن نمط الحياة الحديثة لم يغيّر من جوهر الإنسان الإماراتي الحريص على مساعدة الآخرين.

ورأى أن للمؤسسات والمثقفين والإعلاميين دوراً جوهرياً في بناء الوعي الجمعي، مشيداً بالدور الذي تقوم به الجهات المعنية في الدولة من خلال توفير منصات ومساحات للمبدعين والمثقفين لتبادل الأفكار والمعرفة، وتعزيز الفكر الإيجابي ونشره في المجتمع لتقوية الروابط الإنسانية، وخلق بيئة مناسبة للتبادل الثقافي بين المواطنين والمقيمين.

واختتم الفنان خليل عبدالواحد حديثه بالإشارة إلى أن التلاحم يبدأ من البيت، مؤكداً أن الترابط الأسري القوي هو الأساس الذي يبني مجتمعاً قوياً، وبالتالي دولة قوية ومستقرة، مشدداً على أن الفرد هو لبنة هذا المجتمع، وأنه بقدر تفاعله الإيجابي وتكاتفه مع محيطه، يزداد الشعور بالأمن والأمان للجميع.