الحرف التقليدية.. عبق تراثي يرفد الاقتصاد الإبداعي

لم تعد الحرف التقليدية في الإمارات مجرد موروث نحافظ عليه في الذاكرة، بل أصبحت اليوم مساحة عمل وإبداع تفتح فرصاً جديدة للحرفيين والنساء، خاصة مع مبادرات وجوائز وطنية تدعم الصناعة المحلية.

وفي هذا السياق، أكدت مريم ضاعن التميمي، مدير إدارة التراث بالإنابة في هيئة الثقافة والفنون في دبي «دبي للثقافة» حرص الهيئة على صون الحرف التقليدية وتفعيلها ضمن اقتصاد دبي الإبداعي، بما يعزز حضورها بوصفها مورداً ثقافياً واقتصادياً مستداماً.

وقالت إن الحرف التقليدية تمثل جزءاً مهماً من منظومة الصناعات الثقافية والإبداعية، لما تحمله من قيمة ثقافية وإنسانية وما توفره من فرص اقتصادية، مشيرة إلى قدرتها على التطور ومواكبة احتياجات المجتمع.

وأضافت: «إن الهيئة تعمل عبر مركز تراث للحرف اليدوية التقليدية في متحف الشندغة على نقل المعرفة إلى الأجيال الجديدة من خلال برامج تدريبية وورش عمل تسهم في صقل مهارات الحرفيين والشباب وتطوير منتجاتهم وربطها بقطاعات التصميم وريادة الأعمال».

وأوضحت أن ورش الحرف اليدوية شهدت خلال عام 2025 تنظيم 18 ورشة استقطبت 5622 مشاركاً، ما يعكس الإقبال المتزايد على تعلم الحرف التقليدية والاهتمام بالحفاظ عليها.

ولفتت إلى أن المركز يتيح للزوار التعرف إلى 11 حرفة تقليدية، مثل سف الخوص والتلي وصناعة الحبال والقرقور وصياغة الفضة والسدو، وأن الفعاليات والمعارض تسهم في تشجيع الشباب على دخول هذا المجال وتطويره بأساليب تجمع بين الأصالة والمعاصرة.

وشددت على أن استمرارية الحرف تتطلب الانتقال من مفهوم الحفظ إلى التفعيل، من خلال نقل المعرفة بين الأجيال وربط الحرف بالاقتصاد وتحويلها إلى منتجات قادرة على المنافسة.

دعم المنتج المحلي

من جهتها، قالت سوادة مبارك الخييلي، مدربة حرفية، إن مبادرة «اصنع في الإمارات» شكلت ملتقى مهماً جمع حرفيي الدولة في مجالات متنوعة مثل السدو والتلي والخوص والفخار، كما شارك فيه تجار ومصانع تعتمد على الحرف التراثية أو توفر موادها الخام، ما أسهم في دعم المنتج المحلي وتعزيز حضوره في السوق.

وأشارت إلى أن حرفة السدو والتلي شهدت حضوراً لافتاً من حيث عدد الحرفيات والمنتجات المعروضة، سواء على المستوى الفردي أو المؤسسي، وأن هذه المنتجات بدأت تنافس منتجات عالمية من حيث الجودة والتصميم.

وأضافت أن التدريب في هذه الحرف ما زال في بداياته ويعتمد غالباً على الدورات التي تقدمها الجهات الثقافية.

ولفتت إلى أهمية إدخال هذه الحرف ضمن المناهج الدراسية لتعزيز ارتباط الأجيال الجديدة بتراثهم وتنمية مهاراتهم العملية.

وعبرت عن شعورها بالفخر والسعادة عند تدريب الأجيال الجديدة على هذه الحرف التي مارستها الجدات في الماضي لتلبية احتياجات الأسرة، لافتة إلى أن الإقبال الأكبر من المتدربات اليوم يتجه إلى حرفة السدو، نظراً لتنوع استخداماتها وسرعة إنجاز منتجاتها مقارنة ببعض الحرف الأخرى.

قصة وهوية

وقالت آمنة محمد الكعبي، فنانة في تصميم وتنفيذ الحقائب النسائية باستخدام نسيج التلي وصاحبة مشروع «كنانة»، إن فكرة استخدام الحرف التقليدية في تصميم شنط نسائية عصرية بدأت من ارتباط عميق بالتراث الإماراتي، حيث تعلمت هذه المهارة منذ الصغر، وأن هذه الحرفة تحمل قصة وهوية وتاريخاً يتجاوز كونها مجرد تطريز تقليدي.

وأضافت: «حرصت على إعادة تقديم التلي بصورة معاصرة من خلال تصميم حقائب نسائية تجمع بين الأصالة والأناقة، بحيث تحمل المرأة قطعة تعبر عن هويتها الثقافية بأسلوب عصري».

وأوضحت أنها تسعى إلى تحقيق توازن بين الحفاظ على روح الحرفة ودراسة احتياجات المرأة اليوم من حيث الاستخدام العملي والخامات والتصاميم الحديثة، مضيفة: إن توظيف الحرفة في منتجات عصرية يجعل المرأة تشعر بأنها تحمل إرثاً ثقافياً بصيغة تناسب حياتها اليومية والمناسبات المختلفة.

وترى الكعبي أن مستقبل الحرف التقليدية واعد مع دمجها ضمن الصناعات الإبداعية الحديثة، حيث يمكن أن تصبح مصدراً مهماً لتمكين النساء وخلق فرص عمل. ولفتت إلى أن المشاركة في المعارض والمبادرات الوطنية مثل «اصنع في الإمارات» ومعرض «عطايا» أسهمت في تعزيز حضور مشروعها وإبراز قيمة الحرف الإماراتية في سوق المنتجات الفاخرة.