بين أروقة الغاليريات النابضة بالحياة، ومنصات العرض التي لا تهدأ، تنسج الإمارات فصلاً جديداً من فصول ريادتها، حيث تتحول الفنون التشكيلية من مجرد تعبير بصري إلى قوة ناعمة عابرة للحدود، وبرهان حي على حيوية المشهد الثقافي واستدامته. وفي قلب دبي، تتجلى السياحة الثقافية كرسالة صمود وانفتاح، حيث لم تكن التحديات الراهنة المتمثلة في الاعتداءات الإيرانية الغاشمة إلا وقوداً لتعزيز الحراك الفني وتدفق الزوار نحو وجهات أصبحت منارات فكرية عالمية.
فمن «مقتنيات دبي» التي تفتح أبواب الذاكرة الثقافية للجمهور عبر التحول الرقمي ومنهجيات الإعارة المبتكرة، إلى «السركال أفنيو» الذي يرسخ مكانته كوجهة استراتيجية تجمع نخبة المبدعين الدوليين، تبدو الإمارات عموماً ودبي على وجه الخصوص اليوم كأنها ورشة عمل كبرى لا تتوقف عن النمو، وتحفل بالتدفق المستمر للفعاليات الذي يؤكد أن الفن في الإمارات ليس نشاطاً عابراً، بل هو نظام حيوي متجذر يعكس نضج التجربة الإبداعية وقدرتها على صياغة سردية حضارية تلهم العالم.
استدامة ثقافية
وفي هذا السياق، أكدت سوسي ديكيجيان، رئيسة إدارة «مقتنيات دبي»، في حديثها لـ«البيان»، الدور الجوهري الذي تنهض به المجموعة في استدامة السياحة الثقافية، مشيرة إلى أنها تمثل كياناً فنياً متجذراً في قلب دبي، يحفل بنتاج مساهمات جامعي مقتنياتها وفنانيها ومجتمعاتها، موضحة أن هذه الهوية المحلية هي المحرك الأساسي لقدرة المجموعة على الصمود والاستمرار، لا سيما في الأوقات التي تشهد حالة من عدم اليقين.
وأشارت ديكيجيان إلى أن «مقتنيات دبي»، بوصفها أول مجموعة مؤسسية عامة للفنون الحديثة والمعاصرة في الإمارة، تستمد زخمها من النظام الحيوي المحيط بها، وأنه في ظل التحديات التي قد تعوق التواصل الثقافي الإقليمي، تبرز المبادرات المحلية كأدوات ربط حيوية، قائلة: «إن المجموعة والمدينة تتقاسمان رؤية مجتمعية واحدة، وهذا هو الوقت الأمثل لتعزيز المشاركة العامة ومنح الجمهور فرصة الوصول إلى أعمال فنية كانت لتبقى حبيسة المجموعات الخاصة».
ونوهت بالتطور الرقمي للمجموعة، حيث تضم الآن أكثر من 1.200 عمل فني لـ120 راعياً، متاحة بالكامل عبر منصات الإنترنت، ما يضمن استمرارية الوصول الثقافي حتى في فترات تقييد الحركة.
وفيما يخص سياسات الاستحواذ، أوضحت ديكيجيان أن المجموعة تعتمد نموذجاً فريداً قائماً على «الإعارة طويلة الأمد»، حيث تخضع الأعمال لعملية تقييم فني مستقلة وصارمة، كاشفة عن مراجعة نحو 400 عمل سنوياً من خلال لجان خبراء تضمن أعلى معايير الدقة والمصداقية.
وشددت على أن هذا الإطار المنهجي يعزز ثقة الجمهور الدولي في استقرار المشهد الإبداعي المحلي، مؤكدة أن وجود المجموعة ضمن فعاليات كبرى مثل «أرت دبي» يمثل دورة مستمرة من البحث والنمو، مضيفة أن المشاهد العالمي يلمس اليوم نظاماً ثقافياً ناضجاً يتخذ من الفن وسيلة تعبيرية رصينة.
ووصفت ديكيجيان «مقتنيات دبي» بأنها «منصة سردية حية» تحفظ الذاكرة الثقافية للمدينة دون فرض سردية أحادية، مؤكدة أن المجموعة تعكس الواقع المعقد للممارسات الفنية في المنطقة، وتفتح باباً للنقاش حول مفهوم الاقتناء كفعل حضاري.
واختتمت رئيسة إدارة «مقتنيات دبي» حديثها بالإشارة إلى المسؤولية المدنية وقيمة الأرشفة، موضحة أن العديد من المقتنيات تحمل قصصاً إنسانية مرتبطة بالتحولات العالمية، ما يجعل من «مقتنيات دبي» رسالة صمود بحد ذاتها. وقالت: «المجموعة هي دعوة للتعرف إلى مكان يواصل بناء ومشاركة حياته الثقافية بكل انفتاح وقوة».
وجهة مرموقة
من جانبه، أكد كوروش نوري، المدير المؤسس لمعرض «كربون 12»، أن صالات العرض الفنية الخاصة تمثل ركيزة أساسية لا غنى عنها لاستدامة السياحة الثقافية، وتعزيز مكانة دبي كوجهة فنية عالمية مرموقة، مشيراً إلى أن دور هذه الصالات يتجاوز الجوانب التجارية ليصبح التزاماً أخلاقياً تجاه الفنانين وجامعي المقتنيات والمشهد الثقافي بأسره، وهو ما تجلى في قرار المعرض بتمديد فعاليات عرض الفنانة أناهيتا رزمي دعماً للاستمرارية الإبداعية.
وأوضح نوري أن التميز التقييمي يمثل الجوهر الفلسفي لمعرض «كربون 12»، مشدداً على أن هذا التميز يستوجب مرونة مالية قوية لمواجهة التحديات، حيث إن مفهوم الوجود في قطاع الفنون ليس مجرد شعار، بل هو واقع يتطلب العمل الدؤوب، مستعرضاً تجربة المعرض التي تمتد 18 عاماً في دبي، واصفاً الإمارة بـ«المركز الحيوي» الذي أتاح له بناء منصة فنية معترف بها دولياً بفضل الرؤية الطموحة والبيئة الداعمة للإبداع.
وأشار المدير المؤسس لـ«كربون 12» إلى أن نجاح الفعاليات الكبرى مثل «أرت دبي» مرتبط جوهرياً بقوة «المنظومة المحلية» للصالات الفنية، مبيناً أن الحفاظ على برنامج معارض صارم بمعايير مؤسسية طوال العام يضمن للجمهور الدولي مشهداً فنياً ناضجاً فكرياً ومتجذراً، وليس مجرد أنشطة مؤقتة أو عابرة.
كما لفت نوري إلى أن زخم المعارض الدولية في المنطقة، مثل «أرت دبي»، و«فريز أبوظبي» المرتقب، يعكس بيئة الانفتاح والترحيب التي تتميز بها الدولة، مضيفاً أن المعرض يسهم في صياغة سردية بصرية معاصرة من خلال التمسك بأعلى المعايير الفنية منذ تأسيسه عام 2008، مؤكداً أن دبي أصبحت بقعة للبحث الفكري الدائم وملتقى عالمياً للأفكار. وكشف نوري عن التحضير للمعرض رقم 102 في مسيرة الغاليري، الذي سيخصص للفنان أنطوني أكينبولا في أبريل الجاري، معلناً عن خطة طموحة لعرض أعمال نخبة من الفنانين الدوليين، من بينهم نور ملاس وفيلب مولر، وذلك احتفاءً بالذكرى العشرين للمعرض الفني المرتقب في مايو المقبل، ما يعزز من مكانة «السركال أفنيو» بوصفه إحدى أهم الوجهات الاستراتيجية للسياحة الثقافية في المنطقة.



