«إلى متى سيظل يحمل الموت في متاعه..؟»
بهذا السؤال تفتح الروائية الإماراتية أسماء الهاملي باب روايتها، كمدخل فلسفي يضع القارئ منذ اللحظة الأولى أمام ثقل الوجود الإنساني في مواجهة الفناء، وأمام سؤال سيتردد صداه في كل صفحة حتى السطر الأخير، والهاملي ليست كاتبة بالمعنى التقليدي، إنها شاعرة تسمع إيقاع الكلمة قبل أن تكتبها، ورسامة تُشكل المشهد في مخيلتها قبل أن تصفه، ومرممة مخطوطات تعرف كيف تُعيد الحياة إلى ما أكله الزمن، وهذا التآلف الثلاثي النادر بين الشعر والفن التشكيلي وعلم الترميم هو ما صنع نسيج «قبيلة الرمال»، رواية تتسم ببناء لغوي بصري، وتبدو جملها وكأنها صيغت بعناية تشكيلية قبل تدوينها، فيما تتشكل مشاهدها من ذاكرة سردية تستحضر طبقات متراكمة من المكان، ومن مدينة العين تنطلق خيوط الحكاية بما تحمله من أسرار وتحولات.
سرد يتنفس التاريخ
الرواية تبدأ من حيث لا يتوقع القارئ، من العصر الحديدي في قرن بدع بنت سعود، حيث تضرب جذور الحكاية في أعماق الأرض قبل أن تطفو على السطح، سرد يتعاقب عبر الأجيال، يحمل في كل طبقة منه بصمة زمن مضى وصوت إنسان عاش وأحب وخاف، وتدور أحداث الرواية حول «وردة الصحراء» وهي من الآثار الجيولوجية التي تم العثور عليها في المواقع الأثرية في مدينة العين، ومن هنا تمتد حكاية قبيل الرمال وتصل إلى غافات بوكدرة لتكتمل دائرة الزمن بكل ما فيها من وعد عهد قديم وخيانة وملاحقة لا تنتهي، وتؤكد الهاملي أن هذا التسلسل لم يأتِ اعتباطاً، بل كان دلالة على العمق التاريخي لهذه الأرض، وبالتحديد مدينة العين ذات الأفلاج العظيمة التي روت لقرون مختلف الحضارات التي نشأت على أرضها، تاركةً آثارها في طبقاتها المتعاقبة، والزمن في روايتها ليس خطاً مستقيماً، بل طبقات رسوبية تحمل كل منها بصمة حضارة.
ميثاق بين عالمين
في قلب هذا السرد الشاسع يتجلى أصل الحكاية، قبيلة بدوية من الإنس تعاقبت أجيالها على حفظ زهرة الرمال، تلك الزهرة التي تربطها بعالم آخر يسكن تحت الرمال، عالم قبيلة من نوع مغاير، كان الميثاق قائماً، والعهد محفوظاً، والزهرة صكاً أبدياً بين عالمين لا يجتمعان إلا في هذا المكان المنسي، غير أن ما بُني على الخوف لا يصمد إلى الأبد، وحين انقلبت قبيلة الرمال على الإنس، وغار «كويل الجن» على صفاء الخيام البدوية الأصيلة، ليضيع كل ميثاق ظن أصحابه أنه أبدي، ومنذ تلك اللحظة باتت ذرية الإنس تحمل في متاعها ما لم تختره، ملاحقة لا تعرف التوقف، وخوفاً يتوارثه النسل جيلاً بعد جيل..، كإرث أبدي سلمته الجدة «العين» إلى أحفادها لتنساب الحكاية كأهزوجة قديمة.
حين يمتزج الحب بغضب الرمال
في هذا الفضاء المشحون بالغيب والتاريخ تنبض قصة حب بين سلطان وهند، لكنها ليست قصة حب تسير على خطى مرسومة، إنه حب يجد نفسه في مواجهة ما هو أكبر منه، في مواجهة غضب قبيلة الرمال وثأر لم يبرد منذ أجيال، وأسماء الهاملي لم تجعل من الحب ملاذاً من الخوف، بل جعلته ساحة معركة أخرى يقف فيها سلطان وهند أمام سؤال أعمق من سؤال القلب، فهل يمكن للحب أن ينجو ويصمد؟
المرأة.. أرض وذاكرة
ولعل أعمق ما في الرواية ذلك الحضور الشامخ للجدة «العين»، التي تتجاوز كونها شخصية روائية لتصبح رمزاً لكل ما صمد في هذه الأرض، فقصتها تجليات للعزم حين تضيق الأرض، والصبر حين يطول الطريق، والتحدي حين يُحاصر الإنسان من كل جانب، والحنين للأرض الأم، وفي الجدة (العين)، تختصر الهاملي روح مدينة بأكملها، تلك المدينة التي روت حضارات وأبت أن تنسى. ومما يمنح الرواية روحها الشعرية الفريدة ذلك التمازج الأخاذ الذي جمع تلابيبها، فأشعار الماجدي بن ظاهر وعوشة بنت خليفة «فتاة العرب» وأشعار الهاملي على حد سواء، تسري في نسيج السرد كما تسري المياه الجوفية تحت الرمال، خفيةً لكنها حاضرة في كل شيء، وهذا الاستحضار الشعري لم يكن زينةً تُضاف من خارج الرواية، بل كان جزءاً من بنيتها الداخلية يمنح الأحداث عمقاً وجدانياً، ويمنح القارئ شعوراً أنه يقرأ ذاكرة جماعية لا مجرد حكاية فردية.
البحث عن الجذور
ولأن الماء في الصحراء ليس مجرد عنصر للبقاء، بل هو الحياة بكل ما تعنيه الكلمة، جاء تتبع منابع المياه بين دبي والعين توثيقاً بالأدب قبل أن يكون رحلة جغرافية، وتقول الهاملي «إن منابع المياه في روايتها ما هي إلا دلالة جغرافية على الارتباط الجوفي الذي يغذي الآبار الواحد تلو الآخر، فأينما وُجد الماء وُجدت الحياة وتلتم الأمم، كقريش حين لجأت إلى السيدة هاجر وسيدنا إسماعيل عليه السلام عند بئر زمزم، وحول الآبار تتكون التجمعات القبلية، وتنسب الآبار إلى أفراد قاموا بحفرها لا بآلات ومعاول، بل بالصبر والأيادي، لذلك كله كان للآبار دور محوري في (قبيلة الرمال)».
نوادر وروائع
تقول الهاملي، إن الرسم كان أول إبداع فطري مارسته ولا تزال بعد أن صقلت أدواتها، وهو ما أهلها لأن تكون مرممة مخطوطات لما لهذه المهنة من متطلبات وذائقة فنية ضرورية، ومن خلالها أتيح لها الاطلاع على نوادر وروائع من الكتب لم تكن تحلم حتى برؤيتها في حياتها عوضاً عن لمسها وترميمها، وتضيف، إن الكتابة بالنسبة لها ترميم لروحها ودواء ناجح مجرب، ونافذة تغير مشاهدها حسب المنظر الذي تحتاج إليه روحها، أما اللجوء إلى الفانتازيا فتعتبره فناً قبل أن يكون ذكاءً أدبياً، آثرت مزجه باهتماماتها في التراث والتاريخ والحياة المعاصرة، لتوظفه في إبراز ذلك كله بطريقة لافتة ومثيرة للانتباه، وقد تخيلت الأحداث والشخصيات واستغرق منها ذلك أياماً، وحين اكتمل المشهد في مخيلتها بدأت بالاستمتاع بصياغة سرده وذكر تفاصيله بكل دقة لتُدخل القارئ إلى مخيلتها قدر الإمكان.
وتُوجت «قبيلة الرمال» بجائزة «فئة الرواية الأولى» في معرض الشارقة الدولي للكتاب 2025، وتكشف الهاملي أن لهذا الفوز وقعاً كبيراً على قلبها، وأنه كان سلوة لفقد آلمها ولم يترك لها مجالاً أن تفرح بكتابها، غير أن هذا الاعتراف المبكر كان دافعاً لها على بذل المزيد وإخراج ما تناسته منذ سنين في حاسوبها لتقدم الأفضل، وترى أن الإنسان متكيف بطبعه مع التمدن والحضارة، ولكن لابد له من متنفس يدفعه للبحث عن بيئته الأصيلة، «وهذا ما تجده متجلياً في الإماراتي الذي يقطع الدروب ليجلس تحت ظل شجرة أو يسمر تحت هدأة الليل وبريق النجوم، فتفيض قريحته شعراً ونصوصاً، وتبدع عينه لفتاتها الفنية في سبر بومة صيادة أو أفعى مختبئة، ليعود إلى مدينته محملاً بتأكيدات على هويته الأصيلة»، وهذا بالضبط ما فعلته أسماء الهاملي في روايتها، حيث أعادت للصحراء حضورها في الوجدان والكتابة، وأكدت أن ابن الصحراء مهما بلغ من التمدن لا تزال الصحراء تسكنه قبل أن يسكنها.
