في أروقة معارض الكتب في الإمارات تتباين ملامح علاقة الزوار بالكتاب، فهناك من يراه رفيقاً دائماً للتأمل والمعرفة، فيما يحن إليه آخرون في مواسم المعارض والفعاليات فقط، وبين إيقاع الحياة المتسارع وإغراءات المحتوى الرقمي، يظل الكتاب حاضراً بوصفه مساحة هادئة للتفكير يستعيد فيها القارئ علاقته القديمة مع الصفحات.
فمن الزوار من يأتي باحثاً عن عنوان جديد يضيفه إلى مكتبته، ومن يتوقف بدافع الفضول أو الأسعار المغرية، فيما يحمل كل قارئ حكايته الخاصة مع القراءة، وبين من يرى أن هذه العادة تراجعت أمام تحولات العصر، ومن يتمسك بها كملاذ شخصي ووقت للتأمل.
«البيان» التقت في معرض «بيغ باد وولف» في دبي، والذي اختتمت فعالياته مؤخراً، عدداً من الزوار لتسليط الضوء على علاقتهم بالكتاب.
تغير إيقاع الحياة
وأكدت مريم عدوي أن علاقة الناس بالقراءة تغيرت مع تغير إيقاع الحياة وتسارع الوسائل الرقمية، وأن الأجيال الجديدة تميل أكثر إلى المحتوى السريع الذي توفره التطبيقات والمنصات الإلكترونية.
وتستعيد مشهداً كان مألوفاً في البيوت قديماً حين كان الأب يجلس لقراءة الصحيفة، أو تتصفح الأم كتاباً أو مجلة عن الطبخ، بينما أصبح الحصول على المعلومة اليوم يتم غالباً عبر الهاتف أو البحث السريع في الإنترنت على مواقع التواصل الاجتماعي.
وتعتقد مريم أن معارض الكتب تلعب دوراً مهماً في إعادة لفت الانتباه إلى الكتاب وإحياء عادة القراءة، لكنها في كثير من الأحيان تبقى تجربة موسمية، إذ يشتري البعض عدداً كبيراً من الكتب خلال المعرض بدافع الحماس أو الأسعار المناسبة، قبل أن تتحول لاحقاً إلى حضور هادئ على رفوف المكتبات المنزلية أكثر من كونها قراءة مستمرة.
اهتمامات فكرية
بدوره، أكد خالد أحمد أن معارض الكتب مساحة حقيقية للنهل من بحور المعرفة وتعميق العلاقة بالقراءة، وأن وجود هذا التنوع الكبير من الكتب يمنح القارئ فرصة لاختيار ما يناسب اهتماماته الفكرية.
ولفت إلى أن بعض دور النشر أصبحت تولي اهتماماً متزايداً بالكتب العربية، إلى جانب توفير مساحات للأطفال للاستماع إلى القصص والاقتراب من الكتاب منذ الصغر، وهو ما يراه خطوة مهمة في ترسيخ ثقافة القراءة.
وعن تجربته الشخصية قال إنه يميل بشكل خاص إلى الكتب الفلسفية، لأنها تفتح أمامه أسئلة أوسع حول الحياة والإنسان، وتمنحه فرصة للتأمل والتفكير بعمق.
ويرى أن القارئ كلما قرأ أكثر تطورت ذائقته، وأصبح يبحث عن الكتب التي تضيف له فكرياً لا تلك التي يقتنيها لمجرد الامتلاك.
ويوجه خالد رسالة للأمهات والقراء قائلاً: إن أفضل ما يمكن أن نقدمه للأطفال هو أن يرونا نقرأ، لأن حب الكتاب يبدأ غالباً من القدوة داخل البيت، حيث تتحول القراءة من واجب إلى عادة يومية طبيعية. من جهتها، أكدت خديجة أحمد أن القراءة في جوهرها تظل تجربة فردية هادئة، حتى لو اجتمع القراء في مكان واحد مثل المعارض.
وأوضحت أن أغلب من يزور هذه الفعاليات هم أشخاص لديهم أصلاً علاقة بالكتاب، أو يرغبون في تشجيع أطفالهم على اكتشافه مبكراً، لذلك فإن المعرض بالنسبة لها مساحة تحفز على الاقتراب من القراءة أكثر من كونه مجرد مناسبة للشراء.
وأشارت إلى أن انخفاض أسعار الكتب في مثل هذه الفعاليات قد يشجع البعض على اقتناء عناوين كثيرة، لكن القيمة الحقيقية تبقى في الوقت الذي يمنحه القارئ لنفسه مع الكتاب.
وعن علاقتها الشخصية بالقراءة تقول إنها لا تبحث فيها فقط عن المعرفة، بل تجد فيها لحظة استرخاء وهدوء بعيداً عن ضغوط الحياة اليومية. وقالت إن القراءة تمنح الإنسان فرصة ليكون أكثر وعياً بنفسه وبالعالم من حوله، وهي عادة صغيرة لكنها قادرة على تغيير طريقة التفكير والنظر إلى الحياة.