كتاب «تقويم الصحة» لابن بُطلان

في بغداد العباسية، وفي القرن الحادي عشر الميلادي، ظهر الطبيب المختار بن الحسن بن عبدون بن بُطلان البغدادي، أحد أعلام الطب في الحضارة الإسلامية، وصاحب كتاب «تقويم الصحة» الذي لا يشبه كتب الأمراض، بل دليل علمي لفن العيش السليم، مُركزاً على الإنسان في يومه العادي، ماذا عليه أن يأكل وكيف ينام؟ ومتى يتحرك؟ وكيف تحفظ النفس والجسد توازنهما قبل أن يختل، ليصبح الطبيب الذي عالج الحياة قبل المرض.. وقد اختار أن ينظر إلى الجسد لا بوصفه مريضاً فقط، بل ككائن يأكل ويشرب وينام ويقلق ويتأثر بالطقس والعمل والحزن والفرح.

ما هو كتاب تقويم الصحة؟

تقويم الصحة، كتاب في الطب الوقائي وتدبير الحياة اليومية، يقوم على فكرة بسيطة وعميقة، صاغه ابن بُطلان في شكل جداول مختصرة ومنظمة، ليسهل على القارئ والطبيب الرجوع إليها، فجاء الكتاب أقرب إلى خريطة صحية للجسد، عبر الفصول والأعمار والظروف المختلفة، على أساس أن الوقاية نصف الطب، وربما أكثره، وقد تناول فيه ستة محاور رئيسية:

الأغذية والمشروبات، الهوا والمناخ، والحركة والسكون، والنوم واليقظة، والامتلاء والاستفراغ، وأخيراً الحالات النفسية، من فرح وحزن وغضب وقلق.. وهي ما كان يُعرف في الطب القديم، بالأشياء الستة الضرورية لحفظ الصحة.

المنهج العلمي للكتاب التقويم

تميز التقويم الصحي بعدة خصائص، جعلته كتاباً فريداً في زمانه:

أولاً: الطب بلغة الحياة اليومية، فلم يخاطب الأطباء وحدهم، بل كل من أراد أن يعيش بصحة أفضل.

ثانياً: الربط بين الجسد والنفس، حيث تحدث عن أثر الحزن والخوف والغضب في إضعاف البدن، وهو تصور قريب مما يسمى اليوم بالطب النفسي الجسدي.. متخذاً من كتاب مصالح الأبدان والأنفس لأحمد بن سهل البلخي مصدراً.

ثالثاً: التصنيف الدقيق للأطعمة، فكتب في قسم الأغذية، بحسب الحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة، ومناسبتها للأعمار والفصول، وبحسب تأثيرها في المزاج والهضم، مع مراعاة اختلاف البيئات.. مع تنبيهه في أن يفرّق بين أثر الطعام في أهل المدن وأهل القرى، وفي البلاد الحارة والبارة.

تقويم الصحة لابن بُطلان إلى أوروبا

في القرن الثالث عشر الميلادي، تُرجم التقويم إلى اللاتينية، واشتهر باسم تاكوينم، وسانتياتس، أي أو صحياتي، والأصل صحتي، من صحة، أي التقويم الصحي: Tacuinum Sanitatis

أصبح من أشهر كتب الطب في أوروبا في العصور الوسطى، لا لعلمه فقط، بل لأنه نُسخ في طبعات مصورة وملونة وفاخرة، تُظهر النباتات والأطعمة والأعمال الزراعية، ومشاهد الحياة اليومية.. و«تكوينو» لأنه يعني أساساً بالصحة، وموجه لجمهور مثقف من غير المتخصصين، يوجد عدة نسخ لاتينية مختلفة، ومخطوطات غنية بالرسوم التوضيحية بعد ترجمته، جميعها نشرت في لومبارديا شمال إيطاليا (بلاد اللنبرد)، وصدر نسخ أوروبية عديدة منه بأعداد متزايدة في القرن الرابع عشر والخامس عشر، ثم تطور التقويم بعد الترجمة، بأن ظهرت نسخ مع تعليقات سردية على صفحات مقابلة، طبعت عام 1531م، وأصبح الكتاب فيما بعد شائعاً في أوروبا في العصور الوسطى، ومن دلائل شعبيتها أن كلمة تكوينو (تقويم) في اللغة الإيطالية الحديثة بمعنى دفتر ملاحظات.

ظل يُطبع ويُنسخ حتى القرن السادس عشر الميلادي، واعتمد عليه الأوروبيون بوصفه مرجعاً في التغذية العلاجية، والطب الوقائي وتنظيم نمط الحياة، وهو من الأوائل الكتب التي رسخت في الغرب فكرة أن الأسلوب المعيشي جزء من العلاج.

ابن بُطلان طبيب الحضارة المفتوحة

كان ابن بُطلان طبيباً من مسيحيي بغداد النساطرة، كتب بالعربية، واشتغل في ظل الدولة العباسية مع الأطباء، وشارك في بناء واحدة من أرقى مدارس الطب في التاريخ، ولم يكن غريباً في عصره أن يكون الطبيب مسيحياً أو مسلماً أو يهودياً، فالعلم آنذاك كان هوية جامعة، والطب لغة مشتركة. تنقّل بين بغداد والقاهرة وأنطاكية والقسطنطينية، وترك مؤلفات أخرى منها: دعوة الأطباء، وهو كتاب نقدي علمي ساخر، كما كتب رسائل في الأغذية، ومقالات في تدبير الأبدان. توفي أبو أنس المختار بن الحسن بن عبدون بن بُطلان البغدادي عام 1064م، وعلى الرغم من مرور ألف عام، ما زالت فكرته الأساسية حيّة، منذ قوله: إن الصحة ليست دواءً يُؤخذ عند المرض فقط، بل أسلوب حياة يُصان كل يوم. وهكذا، يقف تقويم الصحة شاهداً على مرحلة بلغت فيها الحضارة العربية الإسلامية من النضج ما جعلها لا تعالج المرض فحسب، بل تُعلّم الإنسان كيف لا يمرض.

المخطوطات

النسخ العربية متوفرة في المكتبة الوطنية بباريس، ومكتبة الفاتيكان، ومكتبة الأسكوريال باسبانيا، ومكتبات أخرى، بينما النسخ اللاتينية من الكتاب، محفوظة في المكتبة الوطنية في فيينا، ومكتبة برلين، وباريس الوطنية، وتُعد من أجمل المخطوطات الطبية المصورة في أوروبا، ومن أجمل الأغلفة للمزارع والأسواق والنباتات التي تعبر عن الجدول الصحي للتقويم من الفصول الأربعة، وأثر الطعام في أهل المدن والقرى في البلاد الحارة والباردة.

المصادر:

مقال ابن بُطلان في الموسوعة العربية.

تقويم الصحة لابن بطلان، مكتبة قطر الرقمية.

6 محاور رئيسة في كتاب

ابن بطلان عن طب الوقاية

ابن بطلان جعل من الطعام والهواء والنوم علماً طبياً