يعد كتاب «شرح تشريح القانون» لابن النفيس أحد أعظم النصوص التشريحية في التراث العلمي العربي، بل يمكن القول إنه الجسر الذي عبر منه الطب الإسلامي من مرحلة التلقي إلى مرحلة النقد والتأسيس، ولم يكن مجرد تعليق على كتاب لابن سينا كما قد يوحي العنوان، بل إعادة قراءة شاملة للجسد البشري، بعين أكثر جرأة وعقل أكثر نظاماً. ومن هنا اكتسب الكتاب قيمته المتفردة في تاريخ المعرفة الطبية. ابن النفيس، وهو عالم عربي عاش في القرن الثالث عشر الميلادي، لم يكن مجرد طبيب بارع، بل عقل فلسفي يمزج بين الملاحظة الدقيقة والاجتهاد النظري.
أهمية مزدوجة
تظهر شخصية ابن النفيس العلمية واضحة، حيث لا يخضع للأسماء الكبرى، ولا يتورع عن نقد ما يراه خطأ، حتى لو كان صادراً عن ابن سينا أو جالينوس، اسمين يهابهما العلماء ويُجلّونهما، ومن هنا اكتسب شرحه أهمية مزدوجة، فهو من جهة يعيد ضبط مفاهيم التشريح، ومن جهة أخرى يكشف عن ملامح منهجه الذي سيقوده لاحقاً إلى اكتشافه الأعظم: الدورة الدموية الصغرى.
العظام والعضلات والأعصاب
ينطلق ابن النفيس أولاً في شرحه من ترتيب تشريحي صارم لكتاب ابن سينا، يبدأ بالعظام بوصفها الإطار الأول لبناء الجسد، ثم ينتقل إلى العضلات باعتبارها الأداة الكبرى للحركة، وفي هذين البابين تظهر دقته الملحوظة في التفريق بين الشكل والوظيفة، وبين ما يرى بالعين وما يدرك بالعقل، فهو يشدد على أن الشكل التشريحي فلا يفسر بمعزل عن حركة العضو ووظيفته الطبيعية، وهي فكرة متقدمة جداً بمقاييس عصره، ثم يتناول الأعصاب، فيعرض لها بوصفها شبكة حسية وإرادية لا تنفصل عن الدماغ والنخاع، وفي ذلك يبرهن على فهم عميق للعلاقة بين الجهاز العصبي وبين حركة الجسد واستجابته.
النقد العلمي
أما في الأقسام المتعلقة بالأوردة والشرايين، فيظهر ابن النفيس في ذروة نقده العلمي، فهو يرفض فكرة المسام في الحاجز بين بطيني القلب، كما كانت راسخة في تراث جالينوس ومنقولة إلى ابن سينا، وتصحيح ابن النفيس ليس مجرد تفصيل، بل حجر الأساس الذي بنى عليه نظريته في الدورة الدموية الصغرى.
اكتشاف الدورة الدموية
اكتشف ابن النفيس الدورة الدموية الصغرى قبل قرون من أوروبا، ففي مؤلفه «شرح تشريح القانون»، وقف ابن النفيس أمام مسألة دقيقة: كيف ينتقل الدم من القلب إلى الرئتين؟ ليعيد قراءة ما كان سائداً، وهو رفضه فكرة «المسام الدقيقة» في الحاجز القلبي الموروثة عن جالينوس، وقال بأن الحاجز مصمت لا ثقوب فيه.
هنا يتجاوز ابن سينا وجالينوس، ويقرر بأن الحاجز بين بطينَي القلب مصمت لا مسام فيه، وأن الدم يخرج من البطين الأيمن إلى الرئتين عبر الشريان الرئوي، ثم يعود إلى القلب محمّلاً بالهواء المصفى عبر الأوردة الرئوية وينتقل إلى بقية الجسم.
هذا الاكتشاف ليس مجرد جملة في كتاب، بل ثورة علمية، ويكشف عن استقلاله في التفكير وتأمله المباشر في الظواهر الطبيعية، فابن النفيس لم يعتمد على النقل وحده، بل استدلّ بالعقل والبرهان والملاحظة، وهي خصائص تجعله أقرب في منهجه إلى العلماء المحدثين.
الملاحظات التشريحية للأعضاء
في هذا الكتاب أيضاً يتعامل ابن النفيس مع الأعضاء الرئيسة، كالكبد، والكليتين، والمعدة، والطحال، بطريقة تجمع بين الملاحظة التشريحية والوظيفة العضوية، دون أن يقع في مغالطات عصره أو يُسقط عليها تفسيرات مجازية، فكان طبيباً يزن كل كلمة، وفيلسوفاً يسائل كل معلومة.
عقل نقدي ولد ليعيد اكتشاف الجسد
كان ابن النفيس يمتلك قدرة نادرة على الربط بين العلوم دون أن يفقد الدقة أو التركيز، وكان عالماً محاوراً، لا منعزلاً في برج من الكتب، وكان يرى أن المعرفة تنقل ليزداد البشر قوةً ووعياً، وليس لتحفظ في خزائن، وتتجاوز نظرته الشمولية التشريح والطب إلى سؤال: «ماذا يعني أن يكون الإنسان جسداً وروحاً؟ وكيف تتداخل الوظائف المادية مع أسرار النفس؟».
مخطوطاته
أما مخطوطات ابن النفيس المنتشرة في إسطنبول وباريس وبرلين ولندن، فقد أتاحت للباحثين إعادة تحقيق الكتاب ودراسته بعناية، لتتجلى قيمته اليوم في سياقٍ عالمي يعيد الاعتبار لإسهامات العلماء المسلمين.
ويظل «شرح تشريح القانون» شاهداً على مرحلة ذهبية امتزج فيها العلم بالفلسفة، والتشريح بالتحليل، والعقل بالتأمل، وفتح باباً جديداً في فهم التشريح ووظائف الأعضاء، وبقي أثره ممتداً حتى اليوم.
سيرة ذاتية
ولد ابن النفيس في دمشق عام 1210م (على الأغلب)، وهو علاء الدين علي بن أبي الحزم القرشي الأنصاري الدمشقي، من أسرة عربية، لُقّبَ ابن النفيس لأنه تميز بعقله النير وعلومه الوفيرة في مجال الطب، مما جعله شخصية ذات قيمة كبيرة وعلم لا يقدر بثمن، وبالتالي لنفاسة عقله وعلمه. عاش في بيئة علمية تحتل فيها مدرسة الطب بدمشق مكانة مهمة، درس على أشهر الأطباء، وتأثر بالاتجاه العقلاني في النظر إلى الطب، ذلك الاتجاه الذي يرى أن الطب علمٌ يقوم على الملاحظة، لا على النقل، ثم انتقل إلى القاهرة، المدينة التي ستصبح مسرح إنجازاته الكبرى، وفيها تولى رئاسة الأطباء، ودرّس الطب في البيمارستان المنصوري، وارتبط اسمه بضخامة مؤلفاته وتنوعها.. حتى وفاته سنة 1288م بالقاهرة.





