تطرح ثلاثية «أسفار مدينة الطين»، للروائي الكويتي سعود السنعوسي، سؤالاً جوهرياً حول طبيعة الذاكرة الجماعية، معلنة، منذ البداية وبشكل صريح على لسان راويها المتخيل صادق بوحدب، أن «هذا النص بأحداثه وأسمائه لا يعدو كونه رواية، نتخيل بها التاريخ ولا نكتبه»، هذا الإعلان ليس مجرد تنصل من المسؤولية التاريخية، بل هو تأسيس لمنهج معرفي بديل، فماذا يحدث حين تصبح الوثيقة الرسمية عاجزة عن استيعاب تعقيدات التجربة الإنسانية؟ وكيف يمكن للأسطورة أن تكون أرشيفاً أكثر صدقاً من التاريخ المدوّن؟ عبر أسفارها الثلاثة «سفر العباءة»، و«سفر التبة»، و«سفر العنفوز»، حيث لا يكتب السنعوسي رواية تاريخية بالمعنى التقليدي، بل يبني معماراً سردياً معقداً يمزج الواقع بالفانتازيا، ليخلق فضاءً روائياً يتسع للمسكوت عنه والمخاوف العميقة وللأسئلة الوجودية التي لا تجد لها مكاناً في السرديات الرسمية.
زمن دائري
إن أبرز ما يميز البنية الفكرية للثلاثية هو تفكيكها لمفهوم التقدم الخطي، فالتنقل السردي بين عام 1920 وعام 1990 ليس مجرد تقنية روائية، بل هو موقف فلسفي يشكك في جوهر التحول الذي شهدته المنطقة، فرغم الفاصل الزمني الهائل، والتغيرات المادية الجذرية التي أحدثها النفط، تظل الشخصيات محاصرة في ذات الأسئلة، ومسكونة بنفس المخاوف، وهذا الزمن الدائري لم يولد من فراغ، بل هي رؤية نقدية عميقة تقول إن التحول الحقيقي لا يقاس بالمظاهر الخارجية، بل بالبنى العميقة للوعي، فالسيارات حلّت محل الحمير، لكن الإنسان بقي يصارع نفس الأقدار، يطرح نفس الأسئلة عن المعنى والموت والهوية، وتتجلى هذه الحيرة الوجودية في اعتراف إحدى الشخصيات في «سفر التبة»: «وكبرت وكذب من قال إني ما فهمت... بل إني عشت ما يكفي لأفهم أني لن أفهم»، وهذا يكشف عن فهم من نوع آخر، فهم يقر بالعجز أمام دائرية الزمن وحتمية القدر.
الأسطورة كأرشيف
ولا يستخدم السنعوسي الأسطورة كعنصر تزييني أو فولكلوري، بل كأداة معرفية لاستكشاف طبقات من الوعي الجمعي لا تصل إليها الوثيقة الرسمية، فشخصيات مثل «بودرياه» وحش البحر، و«أم السعف والليف»، و«الطنطل»، ليست مجرد خرافات شعبية، بل هي تجسيدات للقلق الوجودي، للخوف من المجهول، وللعلاقة المعقدة بين الإنسان والطبيعة، وهذه الكائنات الأسطورية تحمل ذاكرة جماعية لا يمكن توثيقها، ذاكرة حسّية وعاطفية ونفسية، تشكل جزءاً أساسياً من الهوية لكنها تظل خارج نطاق التاريخ الرسمي، ويضعنا السنعوسي أمام فلسفة الشك كطريق للمعرفة، كما جاء في «سفر التبة»: «الشك لو أحسنت معافرته كان سبيلك إلى الحقيقة، والقلق في ما بينهما أول قطاف الفهم»، ومن خلال هذه الرؤية، تصبح الأسطورة هي ذلك «الشك» الذي يعافر التاريخ الرسمي، وذلك «القلق» الذي يفتح الباب لفهم أعمق للذات والمكان.
الهوية في حالة السيولة
وفي سياق متصل، يشكل عنوان «مدينة الطين» كثافة رمزية عالية، فالطين ليس مجرد مادة بناء، بل هو استعارة للهوية في حالتها الأولية، مرنة وقابلة للتشكل ومتجذرة في الأرض، لكنها هشة أمام عوامل التعرية، والثلاثية تصور لحظة تاريخية حرجة، لحظة ما قبل النفط، حيث كانت الهوية لا تزال «طينية»، أي عضوية ومتصلة بالبحر والصحراء والحياة اليومية، لكن هذه الهوية الطينية كانت على وشك الذوبان تحت وطأة التحول الهائل الذي سيجلبه النفط، والثلاثية إذاً ليست حنيناً رومانسياً إلى ماضٍ بسيط، أو نستولوجيا من نوع مألوف، بل هي مساءلة نقدية لثمن الحداثة، فماذا فقدنا حين تحولنا من الطين إلى الإسفلت؟ وماذا خسرنا حين استبدلنا العلاقة العضوية مع المكان بعلاقة استهلاكية؟ ويتجسد هذا الارتباط العضوي بالمكان في تساؤل «سفر العباءة»: «من أين للمكان أن يورِّث جماله لأهلِه، فلا يصيرون هُم في غيره».
الغوص.. استعارة وجودية
يحتل البحر في الثلاثية مكانة محورية، ليس كمجرد فضاء جغرافي، بل كقوة كونية لا يمكن ترويضها، فهو«جنة الأرض» كما يصفه «سفر العباءة»، لكنها جنة محفوفة بالمخاطر، ورحلة الغوص على اللؤلؤ تتحول إلى استعارة للحياة نفسها، غوص في المجهول.. ومخاطرة بالموت وبحث عن الجوهر الثمين في الأعماق المظلمة، قصيدة محمد الفايز التي تفتتح «سفر العنفوز» تلخص هذه العلاقة الملتبسة: «البَحرُ أجمل ما يكون / لولا شعوري بالضياع»، فالبحر في عالم السنعوسي هو القدر نفسه، لا يمكن فهمه أو التحكم فيه، بل يمكن فقط مواجهته بشجاعة أو استسلام، وفي هذه المواجهة تكمن الحكمة الوجودية للثلاثية، فكما يقول «سفر التبة»: «اثنان لا يخافان الموت يا بهيجة، اثنان.. قوي الإيمان وشديد الكفر». وما بينهما، يقف بحارة مدينة الطين، يغوصون في المجهول، مسلحين بإيمانهم البسيط وقدرتهم على تحمل الألم..!
إعادة تعريف البطولة
تضع الثلاثية نفسها في سياق الملاحم العربية الحديثة، لكنها تعيد تعريف مفهوم الملحمة نفسه، فالبطولة هنا ليست في الحروب والانتصارات الكبرى، بل في الحياة اليومية، وفي الصمود أمام البحر، وفي تربية الأطفال، كما في مواجهة الخرافة والخوف، والبحث عن المعنى وسط العبث، والشخصيات ليست أبطالاً خارقين، بل بشر عاديون تحكمهم حكمة شعبية بسيطة وعميقة في الوقت ذاته، مثل «النوم خمر المعدمين» أو «الصيت ولا الغِنى»، إنهم أناس يؤمنون بأن «الأمور التي باللوحِ قد كُتبت.. إما أتتك أو أنتَ آتيها»، وبهذا يقترح السنعوسي أن الملحمة الحقيقية ليست في التاريخ الكبير، بل في التفاصيل الصغيرة، في اللحظات العادية التي تشكل نسيج الوجود الإنساني، ومع ذلك لا تخلو الثلاثية من لمسة تشاؤم سياسي معاصرة.. وكأن الدائرة الزمنية التي بدأت في 1920 تنغلق على خيبة أمل في 1990، لتؤكد أن بعض الحقائق تظل ثابتة رغم كل شيء..!

