بين حرية الشعر وصرامة النقد يقف فريق من الشعراء الذين امتلكوا ناصية النقد أو كانت لهم إسهامات في ميدانه فتنشأ تساؤلات عن طبيعة العلاقة بين هاتين المقدرتين الشعرية والنقدية ونقاط التقائهما وجوانب تنافرهما.
«البيان» استطلعت آراء مبدعين بالمجالين الشعري والنقدي في مدى قدرة الشاعر الناقد على الفصل بين شخصيته الإبداعية المحلقة في الخيال، وشخصيته النقدية المرتكزة على الحيادية والدقة.
ورأى الشاعر الدكتور شهاب غانم، أن ثقافة الشاعر تظهر في شعره وتثريه، وأن كل شاعر فيه شيء من الناقد الذي يساعده على تنقيح شعره وتصفيته أثناء كتابته وصياغته، مشيراً إلى أن ذلك يتم عند كتابة المسودة الأولى للقصيدة أثناء التعديل والتنقيح والصياغة النهائية، حسب المعايير، التي يتبناها كل شاعر في الشكل والمضمون.
وقال غانم: «لست ناقداً، ولكني شاعر وأشياء أخرى، مثلاً مهندس، وكل هذه الأشياء الأخرى لا تؤثر سلباً في الشاعر، بل تضيف إلى ثقافته»، لافتاً إلى أنه مع كون الشاعر ناقداً لنفسه أثناء كتابة شعره فإن ذلك لا يجعل منه ناقداً محترفاً لقصائد الآخرين، وإن كان يمتلك بعض النظرات النقدية التي قد تكون صائبة.
وأضاف: «هناك حالات قليلة جداً في تاريخ الأدب نجد فيها شاعراً كبيراً ناقداً كبيراً، ومن الأمثلة المعروفة في الأدب الإنجليزي المعاصر تي إس إليوت، صاحب قصيدة «الأرض اليباب»، وكان ناقداً مهماً في القرن الماضي، ووضع نظرية المعادل الموضوعي الشهيرة في مقالة له بعنوان «هاملت ومشكلاته» عام 1919، ونال جائزة نوبل في الآداب».
وأردف: «وفي الأدب العربي المعاصر الأديب اليمني الدكتور عبد العزيز المقالح، الذي توفي في نوفمبر 2022، كان شاعراً بارزاً وناقداً بارزاً، وفي العصر الجاهلي كان النابغة الذبياني من أشهر شعراء المعلقات، وكان يُحكّم في شعر شعراء مثل الخنساء وحسان بن ثابت في سوق عكاظ».
وأكد أن النص الشعري عمل إبداعي يأخذ حريته حسب ألمعية الشاعر، الذي يغرف من لغته وخياله وثقافته ومعاييره، التي أحياناً يتجاوزها إذا شطح به الخيال والحالة الشعرية ومعاييره النقدية، مبيناً أن نقد الآخرين يأتي عادة بعد صدور النص، ولكن بعض الشعراء يعرضون نصوصهم على نقاد قديرين فينصحون الشعراء، فيعدِّلون النص قبل صدوره».
مساحة حرة
من جهتها، وصفت الشاعرة فاطمة بدر، الكتابة الشعرية، بأنها مساحة حرة لا تقاربها بميزان النقد، بل تتركها تنمو في اتجاهاتها الخاصة، موضحة أن النقد له أدواته ومقاييسه، وأنها تتعامل معه بصفتها قارئة لا ممارسة محترفة، وأن الشاعر قد يستفيد من بعض الوعي النقدي لتقوية نصه، لكن الشعر في جوهره فعل انحياز للحدس والدهشة قبل أي قياس أو تحليل.
وقالت فاطمة: «لا أرى أن امتلاك إحدى المقدرتين الشعرية والنقدية شرط للأخرى، لكن غياب التوازن بينهما قد يُفقد النص نبضه أو هيكله؛ فقصيدة بلا وعي نقدي قد تسرف في الفوضى، ونصّ نقدي بلا نفَس شعري قد يتحول إلى جرد بارد، وحين تطغى الرؤية النقدية على النص الشعري، قد يفقد شيئاً من تلقائيته، وحين ينفلت تماماً من أي وعي بنائي، قد يظل هشاً أمام القراءة العميقة». وأضافت: «لذلك أؤمن بأن العلاقة بين الإبداع والنقد يجب أن تبقى علاقة تكاملية، حيث يحتفظ الشاعر بحريته، ويستفيد من النقد كونه صوتاً خارجياً لا قيد داخلي»، مشيرة إلى أن المساحة التي يمكن أن يتجاور فيها الخيال والانضباط هي تلك التي يكتب فيها النص باندفاعه الأول، ثم يعاد النظر إليه بعين مراجعة، لا لتقييده، بل لتقويته؛ فالشعر يحتاج إلى الحرية ليولد، وإلى الوعي ليبقى.
حساسية فنية
وقال الشاعر الناقد الدكتور يوسف حطيني: عندما يكتب الشاعر الناقد نصه الشعري فإنه لا يلقي رداءه النقدي عن كاهله تماماً؛ لأن هذا الرداء حاضر دائماً في أعماقه، مؤكداً أن النقد عند الكتابة الإبداعية يتحول من مصطلحات وأحكام إلى حساسية فنية عالية، وإلى اختيار شفاف للمفردة، وبناء شامخ دال للصورة الشعرية، وصياغة تحتفل بإيقاع النص، ودهشته.
وأضاف: «إنه نقد صامت، يعمل في الظل، بينما تتصدر المشهد لغة شفافة، ومجاز دال، وتصوير غني بالإيحاء. هذه الازدواجية تمنح النص عمقه، حتى لا يتحول إلى تعبيرات ذهنية لا رواء فيها»، مشيراً إلى أن امتلاك الشاعر الذائقة النقدية أمر بديهي؛ فكتابة الشعر ليست فعلاً عاطفياً صرفاً، بل هي عملية انتقاء واعٍ للمفردة، وموازنة بين المعنى والصورة والإيقاع.
وأكد أن هذا الانتقاء في جوهره فعل نقدي مستتر؛ فالشاعر الجيد يمرر نصه من غربال داخلي قبل أن يقدمه للقارئ، وهذه القدرة على المراجعة والتقويم هي الجوهر الذي تقوم عليه العملية النقدية»، لافتاً إلى أنه حين تطغى إحدى المقدرتين على الأخرى تظهر النتائج جلية.
وأوضح أنه إذا غلب النقد الشعر تحول النص إلى بناء ذهني يفتقر إلى حرارة التجربة الشخصية ودهشة الصورة، أما إذا غلب الشعر النقد فهذا في مصلحة القصيدة التي تقوم على الإحساس والمجاز والانفلات الجميل من أسر العقل، مبيناً أن الأمر يختلف في ساحة النقد؛ فإذا طغت اللغة الشعرية على النص النقدي خسر النقد دقته، وتحول إلى حالة تهويمية لا تسمح للقارئ بتكوين رؤية واضحة.
واعتبر أن الشاعر الناقد يعيش دائماً في منطقة التوازن بين جناحين: جناح الخيال المحلق، وجناح الوعي المتيقظ، وأنه حين ينجح في تحريكهما معاً، تتحول القصيدة إلى عمل فني مكتمل، والنقد إلى قراءة مضيئة تنبض بالحياة.

