المكتبات في دبي.. منارات معرفية تفتح أبواب الحوار والإبداع

باتت المكتبات في دبي مساحة نابضة تصنع علاقة حية بين المعرفة والإنسان وتفتح أبواباً للتأمل والحوار والإبداع بين الثقافات، ولم تعد مجرد رفوف تحفظ الكتب، بل برز دورها حاضنة للوعي وذاكرة مفتوحة على المستقبل.

وقال الدكتور محمد سالم المزروعي، عضو مجلس إدارة مكتبة محمد بن راشد: «إن رؤية المكتبة في دعم الكاتب تنطلق من إيمان راسخ بأن الإبداع فعل فردي حر، وأن الكاتب ليس مطالباً بتمثيل مكان أو الالتزام بسرد ثقافي واحد». وأكد أن مكتبة محمد بن راشد توفر بيئة خصبة تحتضن التنوع الفكري وتمنح الكاتب مساحة للتجريب مع احترام السياق الثقافي الذي ينتمي إليه.

وأضاف أن المكتبة وضعت دعم الكتاب والمبدعين ولا سيما الكوادر الوطنية في مقدمة أولوياتها عبر تنظيم فعاليات ثقافية وأمسيات فكرية وحفلات توقيع الكتب على مدار العام، إلى جانب تبني إصدار مؤلفات علمية وروائية تسهم في إثراء المشهد المعرفي، ويبرز هذا التوجه في مبادراتها الداعمة للبحث العلمي، حيث أعلنت، بالتعاون مع جامعة «الوصل» وبحضور نخبة من الأكاديميين والباحثين عن إطلاق خمسة إصدارات من الرسائل العلمية لباحثين إماراتيين من حملة الدكتوراه مع إتاحتها على أرفف المكتبات الفرعية المتخصصة في خطوة تعكس حرص المكتبة على تحويل البحث الأكاديمي من جهد فردي معزول إلى معرفة متداولة ضمن الفضاء العام. وأشار إلى أن مكتبة محمد بن راشد تسهم في دعم الكتاب والحفاظ على الموروث الثقافي، وتجسد دوره جسراً معرفياً بين الثقافات لا مخزناً للمعرفة فحسب.

وأكد أن مكتبة محمد بن راشد حرصت على تنظيم سلسلة من ورش العمل والبرامج التدريبية الموجهة للأطفال واليافعين والكبار، بهدف إعداد أجيال جديدة من المبدعين وتنمية مهارات الكتابة والتفكير النقدي والتعبير الإبداعي، بما يجمع بين دعم الكاتب بوصفه صوتاً فردياً حراً، والحفاظ على ذاكرة دبي الثقافية باعتبارها رصيداً حياً مفتوحاً.

وأوضح أن مفهوم المكتبات العامة في دبي تغير خلال السنوات الخمس الماضية تغيراً جذرياً منتقلاً من وظيفة تقليدية تقتصر على حفظ الكتب وإتاحتها إلى دور ثقافي ديناميكي يصنع علاقة متفاعلة بين الكاتب والنص والقارئ، إذ لم تعد المكتبة فضاءً صامتاً تحفظ فيه المعرفة، بل منصة حية لإنتاجها وتداولها وإعادة قراءتها ضمن سياق معاصر يواكب تحولات المجتمع والمعرفة.

وبين أن مكتبة محمد بن راشد تمثل نموذجاً للجيل الجديد من المكتبات العامة بوصفها مؤسسة ثقافية تتجاوز مفهوم الحفظ إلى صناعة المعرفة وتفعيلها في الفضاء العام، حيث تضم أكثر من مليار و300 ألف مصدر معرفي رقمي ومطبوع إضافة إلى 8 قواعد بيانات متاحة للطلاب والباحثين والمبدعين بما يتيح معرفة تنمي الخيال والإبداع لدى الكاتب. واختتم بالإشارة إلى أن هذا الجيل الجديد من المكتبات يعتمد على دمج المعرفة الورقية بالمنصات الرقمية، وربط القراءة بالتجربة، والبحث بالفعل الثقافي الحي، ومن خلال برامج النشر والترجمة ودعم البحث العلمي والفعاليات الحوارية وورش العمل تتحول المكتبة إلى بيئة منتجة للمعرفة تواكب التحولات العالمية وتستجيب لأسئلة الحاضر دون أن تنفصل عن الذاكرة الثقافية للمكان.

مفهوم المكتبة

من جهته قال الكاتب عبدالحميد أحمد، الأمين العام لمؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، إن مفهوم المكتبة لم يكن يوماً مجرد مكان لحفظ الكتب وتخزينها، بل مساحة للالتقاء بالكتب والمؤلفين، وأن المكتبات العامة شكلت على الدوام وجهة للقراء والباحثين والطلبة ليس فقط لقضاء وقت ممتع ومفيد، وإنما للبحث عن المعلومة والاستزادة مما تحمله الكتب من معارف لا يجدها المرء إلا في المكتبات العامة التي أنشئت أساساً لهذه الخدمة. وأوضح أن هذا الدور لا يزال مستمراً، سواء في المكتبات التقليدية أو الرقمية، لأن الغاية تبقى واحدة، وأن العلاقة بين الكاتب والنص تظل علاقة شخصية وذاتية خاصة جداً، مبيناً أن المكتبة لا تتدخل في هذه العلاقة بقدر ما توفر البيئة التي تسمح للكاتب بالقراءة والتفاعل المعرفي الذي يغذي تجربته الإبداعية.

وتحدث عن التحول الكبير الذي شهدته دبي خصوصاً والإمارات عموماً، وأكد أن سرعته وضخامته جعلت ذاكرة الكاتب تلهث خلفه في محاولة لالتقاط ثيمات التغير ومفاصل التأثيرات العميقة التي طرأت على أسلوب الحياة والوجدان وبعض المعايير القيمية.

ويرى د. عارف الشيخ، كاتب وشاعر، أن المكتبة كانت موجودة يوم كان الكاتب موجوداً فعلاً، فالكاتب في الماضي كان يكتب ويؤلف من عقله، ويدون بقلمه، وفق ضوابط إملائية صحيحة، وقواعد لغة تعلّمها على أيدي العلماء، ثم يسلم ما كتب للمكتبة، وبعد الطبع يوضع كتابه على الرفوف؛ مرجعاً دينياً أو لغوياً أو تاريخياً أو أدبياً، مضيفاً: كان الكتاب موضع ثقة، لأن مؤلفه هو الذي كتبه وراجعه، ونقح أخطاءه الإملائية والمطبعية. وأكد أن الكاتب أو الشاعر أو الفنان يجب أن يقرأ كل شيء، ويسافر ليرى كل شيء، لكنه في النهاية لا يقدم للناس ما يعجبهم، بل ما ينفعهم دنيا وآخرة، ويمثله هو، لأنه يتحمل مسؤولية تأثير ما يكتب في الأجيال.