يوسف القيس: الأبواب في الإمارات معالم وسير فيّاضة بملامح الأصالة

الأبواب في دولة الإمارات ليست ألواحاً جامدة، بل صفحات مفتوحة من تاريخٍ حي، تنبض بذاكرة المكان وتحفظ قصص البيوت وأهلها، وتختزن ملامح الهوية وروح الماضي، وتسرد سيراً إماراتية تفيض بالأصالة وتتعانق فيها القيم والعادات، وتروي سيرة الأجداد.

وأكد الكاتب والمصور يوسف القيس صاحب كتاب «أبواب الفردوس»، ويعبر عن الأبواب في الإمارات وعلاقتها في الماضي لـ«البيان»، أن الأبواب في الإمارات ليست مادة صامتة من الخشب، بل شواهد حية على الذاكرة الحضارية للدولة، تحمل في تفاصيلها أثر الإنسان والمكان والزمن، مضيفاً: «هي بقايا حياة، لا عناصر معمارية فحسب، ودور الصورة هنا لا يتجاوز حدود التوثيق الواعي؛ توثيق يسعى إلى المحافظة على هذا التراث والاهتمام به قبل أن يذوب في إيقاع الحداثة المتسارع.

ليست الصورة مواجهة صدامية مع الذاكرة، بل محاولة هادئة لإنقاذها من التآكل الصامت، وإعادة تقديمها كقيمة ثقافية تستحق أن تُرى، وتُفهم، وتُحفظ للأجيال القادمة».

ويرى يوسف القيس أن دبي لم تعد مجرد بيئة تحفز الفكرة، بل باتت الفكرة نفسها، إذ تلهم المبدعين وتتيح لهم تحويل أحلامهم إلى حقيقة، مشيراً إلى أن الحراك الثقافي في الإمارات، حي ومتجدد، لا يقوم على الصراع بين القديم والجديد، بل على الحوار بينهما، حيث لا تقصى الأفكار بل تختبر، ولا تهمش الاختلافات بل تتحول إلى طاقة خلاقة، تجعل من الثقافة مساحة حضور، لا مجرد ذاكرة.

وعلاقة يوسف القيس مع الأبواب بدأت مع بابٍ لبيتٍ من سعف النخيل صادفه في رأس الخيمة، وقال القيس: «بدا وكأنه يكلمني، ويقول بهدوء: المدخل من هنا.

وإن أردت الدخول، فعليك بقرع الباب. فالدخول من الباب ليس عبوراً جسدياً فحسب، بل فعل اعتراف واحترام، وخضوع لقوانين صاحب الدار.

والباب يعلمك بعض الآداب. وبات الباب المدخل الطبيعي لكل الأمور: للبيوت، للعلاقات، للمعرفة. لا تُفتح الحكايات من النوافذ، بل من الأبواب».

وأشار إلى أن الباب يحمل سلطة رمزية لا تنافسها بقية عناصر المكان؛ هو الحد الفاصل بين الداخل والخارج، بين الضيافة والغياب، الباب لا يُختصر بجدار، بل يحمل حكايات إماراتية.

وأكد القيس أن علاقته مع الأبواب تخطت إحساس العدسة بالخشب، بل كان يجدها كأنها أشخاص يقفون أمامه، لا عناصر جامدة في المكان، متابعاً: «النقوش والتفاصيل الهندسية كانت تستقبلني بابتسامة جميلة، ترحيب صامت لكنه واضح، كأنه تعريف غير معلن عن صاحب الدار، عن ذوقه، وعن علاقته بالمكان والزمان.

في تلك اللحظات، شعرت أن الصورة وحدها لا تكفي، وأن الباب يطالب بلغة أوسع، لغة إحساس وتأمل وإنصات، لكن العدسة، رغم حدودها، أدت دور الشاهد الأمين. لم تتدخل، ولم تفسر، بل اكتفت بتسجيل هذه اللحظات وحفظها، لتبقى شاهدة على هذا الترحاب».

أرشيف بصري

وأوضح أن مشروعه في توثيق الأبواب الإماراتية، وللخصوصية التي تميزت بها عبر التاريخ، وهو أرشيف بصري للمشاعر الإنسانية بقدر ما هو سجل معماري، يوثق كيف ظل التراث الإماراتي وفياً لخصوصيته، جامعاً بين الأصالة والانفتاح، وبين الذاكرة والاستمرارية.

ولفت يوسف القيس أنه تعلم من الأبواب أن لكل مرحلة إذنها، ولكل علاقة عتبتها، وأن الحياة، في جوهرها، سلسلة أبواب: ما نُحسن قرعه يُفتح لنا، وما نحاول اقتحامه يُغلق في وجوهنا.

وأشار إلى أن جمع الأبواب في كتابه «أبواب الفردوس» جاء بهدف المساهمة في الحفاظ على الذاكرة التراثية للإمارات، ونقل صورة الاهتمام بهذه الأبواب بوصفها جزءاً حياً من الهوية، لا عناصر معمارية قابلة للزوال، فالصورة حين تُحبس في الأرشيف الخاص تبقى صامتة، أما حين تُشارك في كتاب أو فضاء فني، فهي تنتقل من الذاكرة الفردية إلى الوعي الجمعي، ومن دون هذا التوثيق، كانت الأبواب ستبقى موجودة مادياً، لكنها مهددة بالغياب الرمزي.

ولفت إلى أنه أراد من خلال الكتاب نقل صورة تُكرم هذه الأبواب بوصفها ذاكرة حية لا أطلالاً منسية. ويعرف يوسف القيس نفسه اليوم كعاشق للتراث الإماراتي الغني بعناصره الثقافية.