«ماء الحَجَر».. رحلة إلى ما قبل اللغة حيث نطق الماء أولاً

في تضاريس الفكر الإنساني، ثمة أسئلة كبرى حول أصل اللغة وكيفية تشكّلها، لكن ماذا لو كانت الإجابة لا تكمن في نظريات فلسفية فحسب، بل في همس وديان سحيقة وجريان ماء عتيق؟ يبدو أن هذا هو المنطلق الذي قادت منه الكاتبة والباحثة لولوة المنصوري رحلتها التي استمرت خمس سنوات، لتخوض بذلك مغامرة فريدة من نوعها إلى «ما قبل اللغة»، وتعود بكتابها الاستثنائي «ماء الحَجَر: مفردات الماء ودلالاتها في جبال الحجر» وعليه، فإن هذا الكتاب ليس مجرد معجم توثيقي، بل هو بالأحرى محاولة جريئة للإصغاء إلى تلك اللحظة التي «نطق الماء فيها أولاً»، والتي تشكّلت على إثرها أبجدية المكان.

ذاكرة أزلية

تنطلق المنصوري من فرضية جذرية تعيد تعريف علاقتنا بالطبيعة، إذ إن الماء في جبال الحجر ليس مجرد مورد طبيعي، بل هو كائن حي، وذاكرة أزلية تحمل فلسفة المكان، ولذلك تصفه بأنه «اللغة الأولى على الأرض» و«الحس التفصيلي الأول للذاكرة الأزلية»، وفي تحليلها، يصبح الماء هو المحرّك والمنظّم الذي نسّق الوجود، فضلاً عن كونه «الرحم العظيم» الذي انتشت منه الحياة وتكاثرت الكائنات، هذا التصور الفلسفي، بدوره، يحوّل الماء من مجرد خلفية للحياة إلى فاعل رئيسي في صناعتها، بل وصناعة الوعي الإنساني نفسه، فبواسطته كما تقول: «اندلعت الألسنية والثقافة الشفهية»، وكأن جريان الماء هو الذي حفر أولى الكلمات في وعي الإنسان الحجري.

طالما أن الماء هو المتكلم الأول، فإن اللغة التي يستخدمها أهل الجبال اليوم ليست إلا صداه الممتد عبر العصور، وهنا بالتحديد، تؤكد المنصوري أن أنماط العيش التي فرضها الماء هي التي صاغت اللغة، وليس العكس، حيث إن الثروة المائية قد تحولت عبر الزمن إلى «خزان لغوي» فريد، انعكست فيه روح الماء على روح اللغة، وهذا التحليل يقلب المفهوم التقليدي، بحيث لا تعود اللغة مجرد أداة لوصف الواقع، بل تصبح أثراً مباشراً له، نقشاً صوتياً حفرته الجغرافيا في أفواه البشر، ونتيجة لذلك، خلق هذا التفاعل امتداداً لغوياً جبلياً حجرياً، يتصف بالثراء والتجذر، ويحمل في كل مفردة من مفرداته حكاية قطرة ماء أو مجرى سيل.

لم تكن الرحلة سهلة على الإطلاق، فقد بدأت المنصوري باكتشاف بسيط، وهو ارتباط أسماء الأماكن بالماء، لكنها سرعان ما اصطدمت بحقيقة أن أغلب التفسيرات المتداولة كانت «عَجِلة، مَشُوبة بالكثير من المجازفة والتخمين» ومن هذا المنطلق تحول البحث من مجرد التوثيق السطحي إلى مهمة أثرية عميقة تقوم على فك شيفرة المكان، وقد تطلب الأمر التخلي عن المناهج الجاهزة والغوص في الميدان، بالإضافة إلى التحول من المنهج الاستقصائي القائم على التسجيل، إلى المنهج التحليلي الوصفي القادر على بناء التأويل، مما يعني أن ثروة اللغة التي جمعتها مشافهة من رواة الجبال قد أجبرتها على تغيير أدواتها، لتصنع منهجاً يليق بعمق المادة التي بين يديها.

إن هذا العمق المنهجي لم ينبع من فراغ، بل من علاقة روحية بالمكان، فبما أنها ابنة هذه الجبال، فقد بدأت رحلتها من تجربة شخصية عميقة تصفها قائلة: «في البدء كانت الرحلة الآسرة في مكان النشأة.. فأنا ابنة الجبال الساحلية وابنة شعابها ووديانها»، لقد كان الإصغاء للمكان هو البداية، وهو ما تصفه بأنه «ذلك الصوت الإلهي في أعماق القلب، محراب النفس الذي ننسحب إليه»، ومن هذا المنسحب الروحي، انطلقت المواجهة الحسية مع «أطلال المحارق وخرائب بيوت الفخار... ورائحة المراعي الخاوية وعطر أوراق النّبق»، حيث كان السؤال في بدايته يدور حول «التفاصيل الكبرى للمعيشة»، غير أنه سرعان ما تعمق وتحول مع الزمن «إلى جذر الكلمات العابرة عبر الأزمنة» وهكذا، كانت مواجهة المكان هي الشرارة، في حين كان تفكيك اللغة هو الكشف الأعظم الذي حوّل التفاصيل الصامتة إلى جذر ناطق بالحكايات، وهكذا عبر صفحات «ماء الحَجَر»، لا تقدم لولوة المنصوري إجابات جاهزة، بل على العكس، تأخذنا في رحلة إلى ذلك الفجر السحيق، إلى ما قبل اللغة، لتجعلنا في نهاية المطاف نصغي معها إلى تلك اللحظة المقدسة التي نطق فيها الماء أولاً، وولد المعنى من رحم الينبوع.