في أحد أزقة حي الفهيدي التاريخي، حيث الجدران الطينية تحفظ همس الماضي، لا تستقبلك لافتة صاخبة ولا بوابة فخمة، بل رائحة خفيفة توقظ الذاكرة، رائحة القهوة، هناك، لا تُقدّم القهوة لتُشرب فقط، بل لتُحكى.
هكذا يبدأ الزائر رحلته في متحف القهوة بدبي، المكان الذي يصرّ مؤسسه خالد الملا على أن يكون «مساحة ذاكرة» أكثر من كونه معرضاً، ذاكرة تحكي كيف كانت القهوة لغة تواصل قبل أن تصبح صناعة، وكيف كانت طقساً اجتماعياً قبل أن تُختزل في فنجان سريع.
ويقول خالد الملا مؤسس المتحف: «إن فكرة المتحف انطلقت في عام 2014 من قناعة بأن القهوة ليست سلعة تجارية فقط، بل هي مكوّن ثقافي واجتماعي لعب دوراً محورياً في تشكيل أنماط الحياة والتواصل الإنساني، خصوصاً في المنطقة العربية». ويضيف أن الجانب الثقافي للقهوة ظل حاضراً بقوة في رؤيته للمتحف، باعتباره مساحة تفيض بعبق الماضي وتعيد تقديمه للأجيال الجديدة. ويشير إلى أن فكرة المتحف لم تولد من مشروع تجاري، بل من سؤال بسيط ظل يرافقه طويلاً: كيف نحفظ قصة القهوة قبل أن تندثر بثقافة الاستهلاك؟
ولفت إلى أن هذا السؤال تحوّل إلى مشروع حيّ، ينمو تدريجياً راوياً حكاية من إرث الأجداد.
في أروقة المتحف مجموعة نادرة من المقتنيات التي جمعها الملا على مدار أكثر من 16 عاماً، لا تُعرض بوصفها مقتنيات صامتة، فكل دلة لها اسم، وكل مطحنة لها بلد، وكل فنجان يحمل أثر يدٍ مرّت به، بعضها جاء كهدايا من مزارعين وتجار قهوة من أقاصي أفريقيا وأمريكا اللاتينية، وبعضها الآخر وصل بعد رحلات طويلة إلى متاحف أُغلقت في أوروبا، أبرزها في هامبورغ، لتجد طريقها إلى دبي.
لغة ضيافة
القهوة هنا لا تُروى من زاوية واحدة. فهي مشروب عابر للقارات، وحكاية انتقال من الشرق إلى العالم. ولهذا، يولي المتحف مساحة خاصة للقهوة العربية، لا باعتبارها موروثاً محلياً فقط، بل باعتبارها لغة ضيافة. دلّات مختلفة الأشكال، تحمل أسماء مناطق وعائلات، سُجّلت في قائمة اليونسكو للتراث غير المادي عام 2015. ولعل أكثر ما يلفت الزائر هو تلك المفارقة البسيطة: الدلّة التي بدأت أداة ضيافة في المجالس، انتهت رمزاً محفوراً على الدرهم الإماراتي. قرار اتخذه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ليقول للعالم إن هذه الأرض ترحب بضيوفها دائماً. معنى يتكرر في الميادين، والمطارات، والفنادق، ويستعاد هنا في المتحف بوصفه جزءاً من الهوية. لا يكتفي المتحف بالعرض، بل يدعو الزائر إلى الإصغاء. جولات تمتد لساعتين تقريباً، تبدأ من أصول القهوة الأولى، مروراً برحلتها عبر البحار، وصولاً إلى تحولات التحميص والتحضير الحديثة. كثيرون يدخلون المكان بدافع الفضول، ويغادرونه بعلاقة مختلفة مع فنجان القهوة.
وخلال سنوات قليلة، تجاوز عدد زوار المتحف عشرة آلاف زائر شهرياً، ودخل قوائم أفضل المتاحف للزيارة في دبي. لكن الأرقام، كما يقول الملا، ليست الهدف. الهدف أن تخرج القهوة من إطار الاستهلاك السريع، وتعود إلى معناها الأول: جلسة، وحكاية، ووقت يُحتفى به.
وخلال سنوات قليلة من افتتاح المتحف، نجح مدعوماً بموقعه في قلب الحي التاريخي، وبالتعاون مع هيئة الثقافة والفنون في دبي، في تعزيز مكانة دبي السياحية، حيث بات أحد المعالم الثقافية البارزة في الإمارة يرتادها الزوار من مختلف الثقافات.
وبحسب تصنيفات سياحية، دخل المتحف قائمة أفضل 25 متحفاً للزيارة في دبي، قبل أن يتقدّم لاحقاً ليصبح ضمن أفضل 10 متاحف في المدينة. في أحد التقارير، وُصف متحف القهوة بأنه المكان الذي «عادت فيه القهوة إلى موطنها» عبارة أحبها الملا، لأنها تختصر الفكرة كلها. فالقهوة، في هذا المكان، لم تعد منتجاً عالمياً بلا ذاكرة، وقصة إنسانية ممتدة.

