المبدع و«فضاءات التواصل».. آفاق متشابكة ومفاهيم جديدة

إيمان اليوسف
إيمان اليوسف

تحولات وتغيرات متسارعة فرضتها تقنيات سابقت الزمن في ظهورها، وارتحلت بوجدان المتلقي في فضاءت مترامية، فأسهمت في نشأة أشكال متنوعة من وسائل التواصل التي أثرت المشهد الإعلامي، وبقيت جميعاً محافظة على وجودها بصورة أو أخرى، تاركةً أمام الإنسان المعاصر خيارات متعددة.

ووسط هذا الزحام، الذي فرض نفسه على حياة البشر، بما في ذلك الشأن الثقافي، أعيدت صياغة العلاقة بين المبدع والمتلقي، وتلاشى كثير من مفرداتها السابقة، واستُبدل ببعضها مفاهيم مبتكرة، أفرزتها أساليب التقنيات الجديدة.

ميثاق شرف

وفي هذا السياق، أوضح الكاتب محسن سليمان، لـ«البيان»، أن مصداقية المبدع تُبنى على أساس تراكم أعماله وكتاباته وآرائه، والمدرسة التي ينتمي إليها، فالمصداقية أصبحت في الوقت الحالي من المطالب الملحَّة، بالرغم من أنها يجب أن تكون ميثاق شرف، ودستور حياة، بسبب دخول عالم الإنترنت، ثم محركات البحث، وأخيراً الذكاء الاصطناعي، الذي لا يزال في بداياته، مؤكداً أنه بالرغم من ذلك، على المبدع أن يواكب هذا التطور الهائل، ويضيف إليه من خلال التفاعل مع إمكاناته.

وقال: «هناك عوامل عديدة أثرت في مصداقية المبدع، منها حداثة سن المبدع وجودة العمل، وهي تؤثر أيضاً في استمرارية المبدع ومواصلة نتاجه الفكري والأدبي، بالرغم من ازدحام الكم الهائل من وسائل المعرفة، لذلك أصبحت حاجة المبدع إلى الانضباط أمراً محتوماً، والإلهام هو وقود المبدع، والتفاني في خلق الإبداع، هو ما يضمن الاستمرارية».

ولفت إلى أن هناك تنوعاً شاسعاً بين وسائل الإعلام، فالوسائل التقليدية: التلفزيون والصحافة والمجلات والإذاعة، أثرت في واقع المبدع وصقلت موهبته، وكان يُنظر إليها على أنها منصات تزيد وعيه وإدراكه، ومن خلالها يتعلم ثقافات الشعوب وسلوكها بلا زيادات فجَّة أو رتوش، مضيفاً أنه في عصر «السوشال ميديا» اختلطت الحقيقة بالزيادات المفتعلة والشائعات، إلى أن ظهر ما يسمى (ديب فيك) «التزييف العميق»، ما زاد تعقيد مفهوم «مصداقية الخبر»، الذي يعد من صلب أخلاقيات الإعلام التقليدي.

وأكد أنه على المبدع اليوم أن يثبت قدراته الشخصية، من خلال المعرفة والمطالعة والإنتاج، فتلك هي المبادئ التي تظهر سلوكه أثناء عمليه الإبداع وتكوِّن شخصيته، وأن يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بوعي وأمانة فكرية، مشيراً إلى الإبداع ينجح بالاستمرار والتنوع، وأن المبدع ينجح باستثمار وسائل التواصل التقليدية والحديثة، واستثمار إمكاناته للتوجه للقارئ، مع ضرورة التركيز في الهدف، وعدم التشتت بسبب اتساع الفضاء الإعلامي.

ورأى أن المبدع قد نجح في الاستفادة من تنوع وسائل الإعلام التقليدية والجديدة، فهو يتكيف مع الواقع المُعاش وإمكاناته المتاحة، وتفاعله مع هذه الإمكانات في توصيل رسالته للجمهور، موضحاً أن المبدع الحقيقي هو من استغل أدوات التواصل الجديدة بحكمة، للوصول إلى آفاق جديدة، لم تكن متوافرة لدى أجيال سابقة.

رسائل القراء

من جانبها، أكدت الكاتبة إيمان اليوسف، أن المبدع اليوم أقرب إلى الجماهير، فسابقاً كانت وسيلة التواصل الوحيدة بين القراء والمبدعين هي الرسائل، كما حدث بين مي زيادة وجبران خليل جبران، مشيرةً إلى أنه كان من النادر والصعب أن تصل الرسالة، وتنشأ على إثرها علاقة تواصل بين المبدع والمتلقي.

وقالت: «كانت هناك مسافة شاسعة بين من يكتب وبين من يقرأ الإبداع ويتلقَّاه، وهذا الأمر لم يضرَّ بمصداقية المبدع، إلا أنه صنع آنذاك هالة خاصة بالكاتب»، لافتةً إلى أن بُعد الكاتب، وصعوبة الوصول إليه، وانحصار ما يصل منه إلى المتلقي في أعماله الأدبية، يضفي نوعاً من السحر الجميل والبريق الأخَّاذ».

وأضافت أن تلك الحالة زادت شغف جماهير الأدب وفضولهم تجاه التفاصيل الخاصة بالرموز الإبداعية التي كانت تملأ الساحة الأدبية حينها، واهتم القرَّاء بمعرفة طقوس الكتابة لدى نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس، وما كان يدور في صالون عباس محمود العقاد من مواقف حكاها أنيس منصور، وما إلى ذلك، موضحةً أن تلك هي السمة الإيجابية لعدم سهولة التواصل مع المبدع.

وبينت أن اقتراب المبدع اليوم من متابعيه عبر وسائل الإعلام والتواصل المختلفة، أسهم في سهولة اطلاع الكاتب على ردود أفعال قرائه من إعجاب أو تشجيع أو نقد، الأمر الذي عاد بالفائدة على الطرفين، ومنظومة الثقافة عامةً، إلى حد ما، مستدركةً أن الجانب السلبي في هذا الجانب، تمثل في إتاحة الفرصة أمام بعض الكتَّاب لاختلاق الإعجاب المزيَّف و«الترند».

ورأت أن الإبداع نجح إلى حد كبير عبر صوره المختلفة في الاستفادة من تنوع وسائل الإعلام التقليدية والجديدة، لتعزيز خطابه الموجَّه إلى المتلقي، وأن طائفة من الكتَّاب تمكَّنت من صياغة وجود مؤثر لها على منصات التواصل، مؤكدةً أن ذلك سمح لأولئك المبدعين أن تكون لهم قاعدة جماهيرية عريضة.