نحن مع القرّاء، ما زلنا في قراءة للتراث البحريّ الإماراتي، وإصداراته العلميّة المتضمّنة ما قدّمه أبناء الإمارات في هذا الميدان المهمّ.
بين الماء والماء
وبما أنّ أرض الإمارات تقع على مسطّحات مائيّة كبيرة، أصبحت قِبلة العالَم التجاريّة، واعتُبِر الخليج العربي الذي تطلّ عليه الإمارات الممرّ المائي، ومعبر السّفن المتّجهة إلى الشرق والغرب، منها ترسّم أهل الإمارات العلاقة مع البحر منذ آباد بعيدة، ومن هنا دبّج شعراؤهم قصائدَهم حول البحر، وأسفاره، ورحلاته، وأهواله، وأمواجه، واعتبروه منبع الخير المجبول على العطاء، وهو الخلّ الوفيّ الذي يناجيه العشّاق المتأوّهون، فيحوّلون ذلك إلى أبيات وتعابير وكلمات ملؤها الشوق والحنين.
وما أجمل العنوان الذي تخيّره علي أبو الريش، وهو: «الصحراء بيتنا، والبحر كوننا»، ففي البحر موجات ماء، وفي الصحراء موجات رمال، وما بين الموجة والموجة تسكن الحقيقة، وتكمن اللغة في قلب الحقيقة، ويكمن الوعي في صلب اللغة، وفي اللغة مفردات وتعابير، وفي المفردات والتعابير تكمن الأحاسيس والمشاعر.
بين موجتيْن
وأقول: إذن ابن الإمارات بين موجتين في برّه وفي مائه، ففيهما يسكن قلبه، وإليهما تفيئ نفسه، وعليهما تنشأ روحه، وبهما تسمو أخلاقه. فما أجملها من تنشئة، وما أروعها من حياة، وما ألطفها من مشاعر.
وفي الجانب الثالث من تراث البحر، يطوف بنا سلطان العميمي، بكتابه الرائع البديع: «لهجات سواحل الخليج العربي في المعاجم العربية بين الإهمال والإقصاء: اللهجة البحريّة في دولة الإمارات أنموذجاً»، ومن عنوان الكتاب تتبيّن طبيعة المقال، فهو يركّز على الجانب اللغوي الخاصّ بأهل الساحل من أبناء الإمارات.
وهو كتاب يغوص في الذّاكرة اللغويّة لأبناء الإمارات التي تعود زمنيّاً إلى فترات الهجرات العربيّة الأولى.
وهنا تكمن أهمّيّة الكتاب التي تتضمّن هذا البُعد التاريخي اللغوي للمنطقة حسب ما ارتأتْه كتب التراث العربي الإسلامي، وتحديداً كتاب «لسان العرب» للعلّامة ابن منظور. وهذا الكتاب الموسوعي العامّ شمل لكلّ لهجات العرب وقدّمها في قالب لغويّ مركّز.
وقد تميّزت المناطق السّاحليّة من الإمارات بتنوّع لهجاتها، فلِمنطقة أبوظبي لهجة تختلف نوعاً ما عن نظيرتها في منطقة دبي، وعن تلك المُتَدَاولة في منطقة الشارقة، وهكذا دواليك.
اللهجة الثريّة
من هنا، يتبيّن لنا غنى اللهجة الساحليّة الإماراتيّة المرتبطة بالبحر مكاناً وزماناً. وقد انعكس ذلك الارتباط في التراكيب اللغويّة والألفاظ والمصطلحات التي من خلالها انعكست صلات النّاس بالتراث البحري. وهو جانب من جوانب دراسة تراث البحر الذي تعامل معه أسلافنا في كلّ مراحل أعمارهم وحيواتهم.
وتعدّ اللهجة السّاحليّة في الإمارات نموذجاً للهجات المناطق السّاحليّة في عموم منطقة الخليج العربي نظراً إلى التشابه الكبير بين هذه اللهجات.
ومن الغريب أنّ عدداً من جامعي الألفاظ العربية ومفسّريها ومعجميّيها القدماء تجنّبوا جمع الألفاظ والعبارات السّاحليّة الخليجيّة بحجّة اختلاط أهاليها بالأعاجم القادمين إليها من الخارج، مّا أدّى إلى فقدان كثير من مفردات اللغة العربيّة الخاصّة بهذه البيئات، ونتج عن افتقار المعاجم العربيّة إلى العديد من المفردات البحريّة.
مع أنّ هذا المقياس الذي وضعه بعض المعجميّين الأوائل غير صحيح لأنّ مفردات أهل البحر ثريّة وغنيّة وأصيلة لها علاقة بالقبائل العربيّة التي استوطنتْ البيئات السّاحليّة في عموم منطقة الخليج العربي.

لسان العرب
حين تطرّق ابن منظور إلى بعض مفردات البيئة البحريّة لم يتمكّن من إتمام التعريف بها نظراً إلى قلّة المعلومات التي وصلتْ إليه من قِبل الرواة الأوائل، فمثلاً، يعرّف بنبات «الأسل»، ويؤكّد أنّه لا ينبت إلا في موضع ماء أو قريب من ماء.
ولم يذكر أنّ هذا النّبات معروف في البيئة السّاحليّة الخليجيّة، وهو ينمو في السواحل، ويتحمّل الملوحة، وحين يذكر: «التّامور» يعرّفها بأنّها من دوابّ البحر، ولم يزد على ذلك، وهو هنا لم يذكر هل هذه الدّابّة سمكة أم كائن بحريّ، ولم يُشِر إلى مكان معيشتها أَفي سواحل البحر أم في قيعانه؟ ومن هنا يسترسل سلطان العميمي في تتبّع نواقص المعجم حول المفردات البحريّة نتيجة تجنّب النّقل عن أهل السواحل مّا أدّى إلى فقدان الكثير من المعلومات المهمّة.
ثمّ يبيّن في موضع آخر أنّ المعجم خلط حتى بين المصطلحات البحريّة والمائيّة الأخرى، وبلا شكّ فإنّ الفرق بيّن بين المكانين.
ومن إبداعات الباحث تحديده لفوائت لغويّة خاصّة بلغة البحر لم يحدّدها ابن منظور. وفي الوقت نفسه أورد بعض المفردات البحريّة في غير مواضعها من الجذر الخاصّ بها. كما أنّه أورد مفردات أخرى فسّرها بطريقة ناقصة وغير مكتملة ولو أنّه اعتمد على مرويّات أهل البحر لَتمكّن من ذلك، مثل: «إِربيان»، وهو عنده ضرب من السمك، أو هو ضرب من السمك أبيض كالدّود يكون بالبصرة. وما الإربيان إلا الروبيان، وهي ليس من جنس السمك.
ويلمح العميمي أنّ المفردات البحريّة في لسان العرب قليلة، فمثلاً: أنواع الأسماك، بلغت أعدادها في اللسان 43 نوعاً، حملتْ 63 اسماً، وهو عدد قليل مقارنة بما هو معروف من أنواع وأسماء الأسماك في منطقة الخليج العربي. وحين نقارن ذلك بأسماء الأسد مثلاً نجدها في اللسان 119 اسماً. كما تختفي من اللسان أيّة أسماء خاصّة بالمراحل العمريّة للأسماك، ولا حتى أجزاء الأسماك سوى الزعانف والقشور.
قصور وتقصير
ينطبق كذلك على أسماء السفن وأنواعها، وأسماء اللؤلؤ والمحّار وأنواعه وأشكاله وألوانه، ومهما بلغتْ من أعداد فهي لا تساوي شيئاً أمام زخر اللهجات السّاحليّة بأسماء السفن واللآلئ وغيرها. ومن هنا تأتي أهمّيّة اللهجة السّاحليّة الخليجيّة بصورة عامّة في تزويد معاجم اللغة العربيّة بالمصطلحات والمفردات البحريّة لتدارك النّقص في المعاجم القديمة.
ومن إبداعات الكتاب عقد مقارنات بين المفردات البحريّة المشتركة بين لسان العرب واللهجة الإماراتيّة، من أمثال: «ثبر» وهي الجزر، و«حِصّ»، وهي من أسماء اللؤلؤ، و«خبب»، وهو هيجان البحر، و«حمس»، وهي الحمسة وهي السلحفاة وغيرها.
كما لا يخلو اللسان من ألفاظ ذات صيغ كتابيّة تختلف نوعاً ما عمّا هو موجود في اللهجة المحلّيّة، مثل: «الأنجر» وهي مرساة السفينة، وفي اللهجة تنطق: «الأنير»، و«قدد» وهي سمك بحريّ، وفي اللهجة هي سمكة «الجد» المعروفة. وتوجد مفردات أخرى مذكورة في اللسان معانيها تختلف عمّا لها من معانٍ في اللهجة المحلّيّة.
تطابق في الرسم والمعنى
وفي حديث سلطان العميمي عن المفردات البحريّة في لسان العرب سواء منها ما تطابق لفظاً ومعنىً، أو تشابه معها رسماً وتفسيراً أو اتفقتْ معها في الرسم واختلفتْ عنها في المعنى، يدلّ ذلك على أصالة مكوّنات اللهجة البحريّة المحلّيّة، وقِدمها، إضافة إلى عروبة أغلب هذه المفردات كما أنّه من المستحسن أن يتمّ تفسير عدد من المفردات والألفاظ بناء على استعمالاتها في اللهجة البحريّة إذ إنّ أهلها أقرب إلى فهمها وطريقة التعامل معها.
ومع كلّ هذا الاستقصاء الذي قام به العميمي أضاف إلى الموضوع بُعداً علميّاً متميّزاً من حيث إضافة فوائت المفردات البحريّة في لسان العرب مع البحث عن عدد من هذه الألفاظ في جذور لا تتّصل بها مثل: «البلّورة»، وهي: «الدّرّة»، وقد وردتْ في مادة «مها» وليس «بلر». و«المهاة» هي بقرة الوحش سُمّيت بذلك لبياضها على التشبيه بالبلّورة والدّرّة. و«صلر»: «الصلّور» ضرب من السمك، وهو الجرّيث.
وهذه اللفظة وردت في جذر «جرث». و«قدد»: القُدّ: السمك البحريّ. وقد وردتْ في مادّة «قيظ»، إلى غيرها. وفي مقابل ذلك تحدّث الكاتب عن ثراء المعجم البحريّ في اللهجة الإماراتيّة، وهنا قدّمت تفسيرات لعدد من تفاصيل البيئة البحريّة المتّصلة أصلاً بلهجات البادية في الإمارات.
دعوة
بعد هذا الاستعراض والاستقراء للتراث البحريّ في الإمارات وما نتج حوله من إصدارات، يتضح لنا ضرورة الاهتمام بهذا التراث والعمل على تدوينه وتسجيله وتبويبه وتنصيفه وتسجيله على أن تتكامل الجهود العلميّة حول هذا التراث الخصب. وذِكرنا لثلاثة إصدارات ما هو إلا إشارة إلى ضرورة الاهتمام بالتراث البحريّ المحلّيّ، إضافة إلى ذلك فإنّ هذه الإصدارات تتكامل وتتوافق كلّ من وجهة نظر كاتبها.

ثراء
لإظهار الثراء اللهجي البحري مقابل الفقر في معاجم اللغة العربيّة القديمة بما يخص ذلك، يضرب الباحث والشاعر سلطان العميمي، في كتابه، مثلاً أسماك البياح التي ورد تعريفها في اللسان بأنّها ضرب من السمك -صغار-، وهو أطيب السمك.
ولا يزيد على ذلك بينما في اللهجة البحريّة الإماراتيّة فيرد عنها الكثير من المعلومات والتعريفات سواء في أنواعها أو في أسمائها التي بلغت 21 اسماً، أو في أحجامها أو في مراحل نموّها أو في أجزاء منها أو في طرق ووسائل صيدها أو في طرق تمليحها أو في أحوالها، وهي كثيرة، ولها معانٍ ثريّة ومتنوّعة وعديدة.
وفي مثال آخر، سمكة الجش التي تتمتّع بزخم كبير، وبتنوّع واسع في اللهجة البحريّة المحليّة سواء في أسمائها التي بلغت 43 نوعاً من الأسماك، كلّها تندرج تحت مسمّى: الجش، وهو عدد يفوق أعداد الأسماء؛ المذكورة في لسان العرب ممّا يدلّ على ثراء اللهجة المحليّة وغناها اللغوي. وكلّ هذه الأسماء ذي أصل عربي بحت.
التراث البحري في الإمارات.. بين الكتاب المسطور والحدث المنظور «3-2»
التراث البحري في الإمارات بين الكتاب المسطور والحدث المنظور 2-1
