المحامون بند أساسي في متطلبات بناء مراكز البيانات

لم تعد الرقائق الإلكترونية وحدها السلعة الأكثر طلباً في طفرة بناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي الحالية، فقد انضم إلى قائمة متطلبات بناء هذه المراكز ضرورة وجود فرق قانونية شرسة.

فقد نشب نزاع قانوني شمل شركة «أوراكل»، عملاق التكنولوجيا الأمريكي الذي يتولى استئجار مراكز البيانات وتجهيزها ثم إعادة تأجيرها لشركات مثل «أوبن إيه آي» (OpenAI).

ما يشير إلى وجود خطر إضافي، قد يكون المستثمرون أغفلوه في البداية، وسط شبكة العلاقات المعقدة التي تشكل سلسلة القيمة في قطاع مراكز البيانات.

وتواجه «أوراكل» التزاماً باستئجار مركز بيانات في ولاية نيو مكسيكو أصبح استكماله مهدداً بتأخيرات سياسية وتنظيمية.

ووفقاً لتقارير أوردتها شبكة «بلومبرغ»، قد تلجأ الشركة إلى التمسك ببند «القوة القاهرة»، وهو الاستثناء القانوني الذي يتيح للشركات التملص من التزاماتها التعاقدية عند حدوث ظروف خارجة عن الإرادة. وفي الوقت نفسه، انخفض السعر المتداول للديون الداعمة لمركز البيانات.

وتبلغ القيمة الاسمية للديون الداعمة لمركز البيانات 18 مليار دولار، لكن هذه الديون أصبحت تتداول في السوق بنحو 90 سنتاً لكل دولار من قيمتها الاسمية.

ويعني ذلك أن السند الذي تبلغ قيمته الاسمية دولاراً واحداً يمكن بيعه حالياً بنحو 90 سنتاً، أي أن السوق أصبح يقيم إجمالي هذه الديون بنحو 90 % من قيمتها الاسمية.

وإذا انطبق هذا السعر على كامل الدين البالغ 18 مليار دولار، فإن قيمته السوقية الحالية تبلغ نحو 16.2 مليار دولار.

رغم ذلك، أفادت صحيفة «فايننشال تايمز» بأن «أوراكل» قد تظل ملزمة بتمويل ما يعرف بـ «مدفوعات تغطية التكاليف» لصالح مستثمري مركز البيانات، حتى وإن عنى ذلك دفع أموال لمركز بيانات لا يتوفر فيه حتى التيار الكهربائي.

أي أن المستثمرين الذين مولوا إنشاء مركز البيانات يتوقعون عائداً مالياً حتى لو تأخر المركز في بدء التشغيل.

فإذا تعذر على «أوراكل» دفع الإيجار المعتاد لأن المركز لم يصبح جاهزاً، فقد تظل مطالبة بمبالغ تغطي تكلفة الأموال التي استثمرها الممولون والعائد الذي كانوا يتوقعونه منها.

وقد تشمل هذه المدفوعات الفوائد والعائد على الاستثمار، ويمكن أن تستمر لفترة تصل إلى ثلاث سنوات وفقاً لشروط العقد.

وأدى التكالب العالمي على نشر مراكز البيانات الخاصة بتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي عبر العالم، وهو توجه يتوقع أن يقترب حجمه الاستثماري من عشرات التريليونات من الدولارات بحلول نهاية العقد الحالي، إلى ابتكار أساليب تمويلية متنوعة.

ولم يعد الأمر يقتصر على أسهم الملكية والديون التقليدية، بل امتد ليشمل عقود الإيجار، وضمانات القيمة المتبقية كخطوط حماية، والتزامات الشراء الآجلة.

ولا يظهر الجزء الأكبر من هذه الترتيبات في القوائم المالية الأساسية للشركات التي تتحمل المسؤولية النهائية عن المشاريع.

غير أن المستثمرين ليسوا غافلين تماماً عن هذه الحقيقة؛ إذ تتحمل «أوراكل» التزامات بقيمة 260 مليار دولار خارج الميزانية العمومية، في وقت تراجعت فيه أسهمها بنسبة 55 % خلال العام الماضي.

وإذا أضفنا الشركات التكنولوجية العملاقة الأخرى، مثل «ميتا بلافورمز» و«ألفابيت» و«مايكروسوفت» و«أمازون».

فتقدر وكالة «موديز» أن إجمالي الالتزامات خارج الميزانية العمومية لجميع هذه الشركات قفز من 350 مليار دولار عام 2023 إلى 2.8 تريليون دولار حالياً.

وتدعي جميع الأطراف عادة أن المخاطر التي تكتنف عملياتها تحت السيطرة، كما تصنف معظم الديون المرتبطة بمراكز البيانات ضمن «الدرجة الاستثمارية».

ويتباهى مطورو مراكز البيانات بعقود تمتد لعقود مع شركات مثل «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«سوفت بنك» و«إنفيديا».

بدورها، تستعرض هذه الشركات قدرتها الفائقة على الوصول إلى رؤوس الأموال؛ خصوصاً أن شركات مثل «مايكروسوفت» و«ألفابيت» و«ميتا» تمتلك أنشطة تجارية ضخمة تولد تدفقات نقدية يمكن التوسع في استخدامها عند وقوع الأزمات.

غير أن كل من درس قانون الشركات الأمريكي يعلم أن هناك فجوة كبيرة تفصل غالباً بين التوقعات والواقع. فالقضية لا تتعلق بمن يمتلك الحق القانوني، بل بمن يملك فريق المحامين الأفضل، والميزانيات الأضخم لتمويلهم، وإرادة القتال القانوني حتى النهاية.

وبالنسبة للشركاء الذين يجلسون على طاولة المفاوضات أمام عمالقة التكنولوجيا الذين تقدر قيمتهم بتريليونات الدولارات.

فإن الموقف يحتمل اتجاهين؛ فقد تجد شركات مثل «ميتا» و«مايكروسوفت» مصلحة في تسوية الأمور مالياً وتغطية أي عجز مؤقت لإغلاق الملف إذا لم تسر المشاريع كما هو مخطط لها، أو قد تختار ممارسة نفوذها واستعراض قوتها المالية والضغط بوزنها الاستثماري.

ولا يزال غير معروف أين تقف «أوراكل» في هذا المسار؛ إذ يعد حجم شركة لاري إليسون التي تبلغ قيمتها السوقية 423 مليار دولار متوسطاً مقارنة بعمالقة قطاع التكنولوجيا الآخرين.

غير أن الضبابية القانونية أصبحت عنصراً جديداً يجب على المستثمرين إدراجه ضمن معادلات تقييم الأسهم، وهو أمر يبدو أن الأسواق لم تدركه إلا أخيراً.