ثروة بالمليارات وقرار غريب.. لماذا تخلّى الملياردير مارك كوبان عن ساعته؟

لم يشترِ سيارة فارهة، ولم يتجه إلى اقتناء ساعة باهظة الثمن للاحتفال بأول ثروة جمعها، بل اتخذ الملياردير الأمريكي مارك كوبان قراراً بدا غريباً في ظاهره، خلع ساعته، وقال إنه لن يرتدي ساعة مرة أخرى، لأنه لا يريد أن يعمل وفق توقيت يحدده له شخص آخر.

تعود هذه اللحظة إلى عام 1990، عندما باع كوبان شركته البرمجية «MicroSolutions»، في صفقة شكلت نقطة تحول في حياته، ومهدت الطريق أمامه لبناء واحدة من أبرز قصص النجاح في عالم الأعمال الأمريكي.

وبعد أكثر من ثلاثة عقود، تُقدّر ثروة كوبان بنحو 10.6 مليار دولار، وفق مؤشر بلومبرغ للمليارديرات، لكن رجل الأعمال الذي جمع هذه الثروة يقول إن هدفه لم يكن الوصول إلى قائمة الأثرياء بقدر ما كان التخلص من ضيق الحال والتحكم في وقته ومستقبله.

صفقة أولى غيّرت نظرته إلى المال

بدأت رحلة كوبان، المولود عام 1958، في أسرة من الطبقة العاملة بالقرب من مدينة بيتسبرغ الأمريكية. وبعد تخرجه في جامعة إنديانا، انتقل إلى مدينة دالاس بولاية تكساس، حيث عمل في مجال بيع البرمجيات، قبل أن يفقد وظيفته ويقرر تأسيس شركته الخاصة، وفقا لـ "fortune".

أسس كوبان شركة «MicroSolutions»، المتخصصة في البرمجيات وخدمات التكنولوجيا، وتمكن من بيعها عام 1990 مقابل 6 ملايين دولار. وحصل شخصيًا على نحو مليوني دولار من الصفقة، بحسب روايته في مقابلة مع بودكاست «The Diary of a CEO».

لكن ما فعله بعد البيع لم يكن المسار التقليدي الذي قد يتوقعه البعض من شخص حصل للتو على ثروة كبيرة؛ إذ اشترى تذكرة سفر مدى الحياة على الخطوط الجوية الأمريكية، وقرر الاستمتاع بحريته الجديدة بدلًا من الانطلاق فورًا في استثمار الأموال بهدف مضاعفتها.

وقال كوبان إنه كان يكره الفقر، وإن ما أراده حقا هو التحكم في مصيره ووقته، بدلا من الاضطرار إلى الالتزام بجدول عمل يفرضه الآخرون.

لماذا خلع ساعته؟

يرتبط قرار التخلي عن الساعة بفكرة أعمق من مجرد تغيير أسلوب اللباس. فقد أوضح كوبان أنه، بعد بيع شركته، خلع ساعته وقال إنه لن يرتديها مجددا، لأن الساعة كانت تذكّره بأنه يعمل وفق وقت شخص آخر.

واستعاد رجل الأعمال في حديثه عن طفولته ظروف والديه، اللذين كانا مضطرين إلى الذهاب إلى العمل والالتزام بمسؤولياتهما اليومية. وأراد، بحسب روايته، أن يصل إلى مرحلة يستطيع فيها تحديد طريقة عيشه بنفسه.

ولم يلتزم كوبان بقراره إلى الأبد؛ فهو يرتدي اليوم ساعة «Apple Watch» للاستفادة من البيانات التي توفرها. لكن الفكرة التي عبّر عنها عند خلع ساعته ظلت حاضرة في أسلوب عمله.

فهو يفضّل التواصل عبر البريد الإلكتروني بدلًا من المكالمات الهاتفية، لأنه يمنحه وقتًا للتفكير في الرد، كما تحدث سابقًا عن تجنّب الاجتماعات والمكالمات التي لا تحقق هدفًا واضحًا.

من مليوني دولار إلى صفقة بمليارات الدولارات

جاءت القفزة الأكبر في ثروة كوبان بعد تأسيس شركة «Broadcast.com»، التي تخصصت في بث المحتوى الصوتي والمرئي عبر الإنترنت.

وفي عام 1999، باعت الشركة نفسها إلى «Yahoo» في صفقة بلغت قيمتها نحو 5.7 مليارات دولار من أسهم الشركة المشترية، وهي صفقة رفعت ثروة كوبان إلى مستوى المليارديرات.

ووصف كوبان الصفقة بأنها غيّرت كل شيء، لأنها منحته القدرة على التوقف عن القلق المستمر بشأن ما سيأتي لاحقا، وأتاحت له اختيار ما يريد فعله بوقته وأمواله.

وفي عام 2000، اشترى فريق «دالاس مافريكس» لكرة السلة مقابل 285 مليون دولار. وظل مالكا للحصة الأكبر من الفريق سنوات طويلة، قبل بيع حصة الأغلبية في صفقة أُعلن عنها عام 2023، بقيمة تقديرية بلغت 3.5 مليارات دولار.

ويواصل كوبان نشاطه الاستثماري، ومن أبرز مشروعاته شركة أسسها عام 2022 لتوفير الأدوية مباشرة للمستهلكين ومقدمي الرعاية الصحية، بهدف خفض الأسعار وتقليل الوسطاء في سوق الدواء.

هل يشتري المال السعادة؟

على الرغم من الثروة الهائلة التي جمعها، لا يرى كوبان أن المال قادر وحده على تغيير حياة الإنسان من الداخل.

وفي حديثه الأخير، أشار إلى أن الشخص الذي يشعر بالتعاسة وهو فقير قد يظل تعيسا حتى بعد أن يصبح ثريا، لأن المال لا يغيّر بالضرورة شخصية الإنسان أو نظرته إلى الحياة أو شعوره تجاه نفسه.

ومع ذلك، لم يُخفِ تفضيله للحياة الميسورة على الفقر، مؤكدا أهمية احتفاظه بأصدقائه القدامى وعلاقاته العائلية رغم التغير الكبير الذي شهدته حياته.

وتكشف قصة كوبان عن جانب مختلف من بناء الثروة؛ فبالنسبة إليه، لم تكن المليارات الهدف الأول، بل وسيلة للوصول إلى الاستقلال والقدرة على اتخاذ القرارات دون الخضوع لجدول حياة يفرضه الآخرون.

أما الساعة التي خلعها بعد أول صفقة ناجحة، فلم تكن مجرد قطعة يتخلى عنها رجل أعمال، بل أصبحت رمزا للفكرة التي يقول إنها دفعته منذ البداية، أن تكون الثروة وسيلة لامتلاك الوقت، لا مجرد رقم في الحساب المصرفي.